Tuesday, March 14, 2006

الحمد لله وحده





حقوق الإنسان في المؤسسة التعليمية بين الفعل واللافعل





إعداد
عبد العزيز قريش
مفتش تربوي للتعليم الابتدائي
نيابة تاونات


مداخلة قدمت في أشغال اللقاء الوطني لحقوق الإنسان
المنظم يوم الجمعة 10 دجنبر 2004
بقاعة الندوات التربوية للاعائشة
بوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي
بالرباط



9/12/2004





ملاحظة: هيكل هذه المداخلة مشتق من مداخلة مشابهة سابقة في موضوع: التربية على الديمقراطية والمواطنة في الفضاء المدرسي تحت شعار: " من أجل مدرسة مواطنة " بقاعة المحاضرات بنيابة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي زواغة مولاي يعقوب بفاس بتاريخ: 20/07/2003.


استهلال:
بداية لن تكون هذه المداخلة وفق ما كنت أطمح إليه من عمق التحليل، وحسب ما طلب مني؛ نظرا للظروف التي أنجزت فيها، خاصة زمنيا، ومساحة الموضوع الذي قاربته، ولن تكون أكاديمية بامتياز، ولكن ستكون تحسيسية لمن يعنيه الأمر، بأن هناك ما يعرقل تدريس حقوق الإنسان عامة، وحقوق الطفل خاصة في المدرسة المغربية، لعل التوجيه والإرشاد يتجه نحوها بمذكرات رسمية، تحيل الفاعلين التربويين على ما يجب أن يكون. وتدعم النظري بالتطبيق المعقلن له.
فالمؤسسة التعليمية المغربية قطعت شوطا كبيرا في مجال حقوق الإنسان، تجلى في توطين هذه الحقوق في البرامج والمناهج والقوانين والتشريعات، وفي المناشط الثقافية الموازية كالمسرح المدرسي، والتظاهرات الثقافية، والمناسبات العالمية والوطنية. فالمقارنة البسيطة بين مضامين البرامج السابقة حسب الحقب التاريخية ومضامين البرامج الحالية؛ تبين بالملموس والمحسوس مدى هذا التطور، غير أنه لا يرقى إلى طموحات منظريه، مما تجدهم دائما وأبدا مهمومين بتطويره وتحسينه وتحبيره كما ونوعا، وهذه مزية تحسب لهم لا عليهم، بل نثمن طموحاتهم إلى مَسْلَكَةِ هذه الحقوق في الواقع المدرسي، وتصريفها في الحياة المدرسية. بل التماهي بها للخلوص إلى متعلم، هويته تقوم على حقوق الإنسان ودامجة لها؛ مدعمة بالمصدر الأول الهوياتي الضامن لاستمراريتها، وهو الإسلام والثقافة المغربية الأصيلة، المعبرة عن روح هذه الحقوق فعليا من خلال قيم متعددة ومتنوعة، ولعل " التويزة " إشارة إلى حق الفعل الجماعي، والتضامن الجماعي، والتكافل الاجتماعي... وليس المقام مقام تعداد رمزيتها، وإنما التذكير بأن حضارتنا المغربية متجذرة فيها حقوق الإنسان. والبحث بين ثنايا تراثنا سيعمق ويمركز حقوق الإنسان قلب الفعل التدريسي.
وما لقاء اليوم حول حقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي ( 10/12/2004 ) الخاص بها إلا انعكاس حقيقي لرغبة اللجنة المركزية لحقوق الإنسان والمواطنة التابعة لمديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بين الأكاديميات بالوزارة، في تقويم التجربة، والوقوف على مكامن الضعف فيها لمعالجتها، والوقوف على مكامن القوة لاستثمارها لصالح الفعل التعليمي التعلمي. ومن هذا المنطلق، وبحكم تجربتي في الميدان، وتعاطي للبحث التربوي ميدانيا في الواقع المعيش، سأحاول تلمس مكامن القوة والضعف في التجربة من خلال بعدين متلازمين: البعد الداخلي، والبعد الخارجي عبر مؤشرات معينة ومحدودة ترمز للعديد منها ومن أخواتها ورديفاتها، ودالة على ما يمكن أن يكون في الواقع...
البعد الداخلي:
هذا البعد يتعلق بالمنظومة التربوية في كليتها من حيث اشتغالها على حقوق الإنسان، وبحقوق الإنسان، وهنا يمكن التساؤل عن تمظهرات هذه الحقوق في هذه المنظومة؟ وأين تتجلى نقط القوة فيها؟ في مقابل نقط الضعف؟ لكن ليس هذا هو الهدف هنا، بل نقل تلك الكلية إلى الجزئية والعام إلى الخاص، هو المقصود عندي من خلال البحث عن مداخل حقوق الإنسان في الحياة المدرسية بمفهومها الشامل الحي، وكيف يشاكسها الواقع ويعرقلها ويعوقها اتجاه الإطاحة بها، والنيل من مضمونها القيمي.
البعد الخارجي:
هذا البعد يتعلق هو الآخر بالمجتمع مصب روافد متعددة المنبت، والمصدر، والتوجه، والغاية، والوسيلة. لكني سأنتقي منه المنحى الثقافي والاجتماعي الواقعي الذي يحارب ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ فعل المؤسسة التعليمية في مجال حقوق الإنسان بحكم التدافع الاجتماعي.
وقبل الحديث عن البعدين لابد من الوقوف عند الالتباس الذي يطرحه مصطلح حقوق الإنسان لدى الإنسان المغربي، تبعا للثقافة السائدة عنها في الأوساط غير المتخصصة فيها.
ـ التباس المصطلح:
معلوم بالضرورة عند الحقوقيين ومنظري حقوق الإنسان، بأن الحق في عرفهم يحمل وجهه الآخر وهو الواجب، والواجب يتجه نحو الداخل والخارج، بمعنى يتجه نحو صاحب الحق في حده الأدنى أن يمارسه، وفي حدود أدبيات الممارسة. ويتجه نحو الآخر وهي التي يتوجب عليها إعطاء الحق لصاحبه، وفي حدود أدبيات ممارسة الواجب. لكن الطرح المتداولة به حقوق الإنسان في بلادنا سوسيولوجيا، لا يستوفي وجه الواجب من عملة حقوق الإنسان، لأنها عملة اجتماعية ذات وجهين ( حق وواجب ) لا تستقيم إلا بهما. لكن ثقافتنا العامة السائدة والمشاعة ـ إن صح هذا التعبير ـ التي تغطي منظومة حقوق الإنسان، يختفي فيها الواجب، وتجدنا كلنا نطالب بحقوقنا، وننسى واجباتنا، بل نتملص من أدائها أفرادا، ومجموعات، ومؤسسات رسمية وغير رسمية... فعندما يطالب الفرد بحقه الشخصي أو الجماعي من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية؛ ترد عليه باستيفاء الواجب منه. وعندما تطالب الفرد بحقها، يرفع في وجهها استيفاء الواجب منها أولا، وبين الطلب والجواب يضيع الحق بوجهيه أو يظهر بوجه الحق دون الواجب.. فمثلا: عندما نسأل لماذا لم تقم المؤسسة بواجبها نحو الذي خرق قواعدها وقوانينها؛ يكون الجواب لأن له حقوقا! أليس من واجبه أن لا يخرق القاعدة أو القانون حتى لا يطبق عليه الجزاء؟ ..
والحق في إطار هذه الثقافة الهزيلة، يختفي منه الواجب، ونظل نتحدث عن الحق دون الواجب. مما يوجب علينا مراجعة مصطلح حقوق الإنسان نحو حقوق وواجبات الإنسان حتى يظهر للجميع أن كل حق هو واجب. ولولا التداول الاجتماعي الذي مارس حيفا على حقوق الإنسان وأظهر منها الحق دون الواجب؛ لما كنا نطالب بهذه المراجعة..
1 ـ البعد الداخلي:
لحقوق الإنسان مدخلان متلازمان ومتكاملان نظريا. وأما عمليا قد يتلازمان أو العكس. مدخل نظري يعتمد على قيم ومعارف ومعلومات عن حقوق الإنسان بمعنى الجانب النظري لهذه الحقوق. حيث المؤسسة التعليمية من بين المؤسسات التي تتولى تمكين الناشئ والمواطن منها. والمدخل الثاني لحقوق الإنسان هو الممارسة الفعلية لها من خلال السلوك الفردي والجماعي للجماعة الإنسانية. أي التطبيق الفعلي في الميدان لتلك القيم والمعارف والمعلومات وتحويلها إلى سلوكات عملية ميدانية مترجمة لها. ومن ثم كان التكامل والتلازم ضروريين بل حتميين لاستكمال تفعيل حقوق الإنسان في حياة الفرد والجماعة، وعيارها بقيمة اجتماعية قابلة للتداول الاجتماعي. فإذا ما اختل التكامل والتلازم اختلت تلك الحقوق، وتصدعت أركانها، وفقدت قيمتها الاجتماعية والقانونية والنفعية والتداولية، وانقلبت إلى غير حقيقتها، وتوجهت إلى غير وجهتها...
ولما كانت المؤسسة التعليمية ترتبط أصلا بتكوين الفرد تربويا واجتماعيا وثقافيا ووظيفيا؛ وتؤهله للاندماج الوظيفي والاجتماعي والثقافي في المجتمع. كانت معنية مباشرة بحقوق الإنسان بمدخليها. ولأجله اتخذت المؤسسة التربوية مجموعة آليات لممارسة وظيفتها المنوطة بها في مجال تعليم حقوق الإنسان. فكانت تلك الآليات مدخلا حقيقيا إليها؛ يتلمس فيه المتعلم والأستاذ والباحث ظلها، على الأقل في المستوى النظري، وهو مستوى منوط بالمنظرين وتوقعاتهم المنشودة والمحتملة. يوجب في حقهم التدقيق في حيثيات سترجة تلك الحقوق من حيث المفاهيم، والمستويات التعليمية المستهدفة، وأساليب التقديم والتنشيط والتقويم، واستحضار الفاعلين التربويين وكفاءاتهم في التعاطي مع هذه السترجة، لأنه ليس كل ما يبرمج من مادة مدرسية، تقدم أثناء الفعل التدريسي في القسم؛ كما هو منظر لها؛ نتيجة معطيات ليس المقام مقامها. لذلك فسترجة حقوق الإنسان تشكل في المؤسسة التعليمية موضوع فعل هذه الأخيرة في الأولى، لجهة كونها الفاعل في حقوق الإنسان ميدانيا، وموضوع فعل الأولى في الثانية لجهة كونها فاعلا تعليميا تعلميا تنظيريا، يحيط نفسه بسلطة التقرير البرمجي، مدخلا تربويا واجب التعلم، لتصير حقوق الإنسان من ماهية المتعلم المغربي. فهي ـ أي المؤسسة التعليمية ـ مؤشر حقيقي عنها ( أي الحقوق ). فكلما احتضنتها في مداخلها ومارستها في واقعها، كلما كان خارجها محتضنا وممارسا لها، والعكس صحيح.
وليس الوارد هنا ذلك المدخل النظري لحقوق الإنسان بل الوارد تلك الآليات الحاملة لها والموظفة في تمريرها ومباشرتها وممارستها في الميدان المدرسي، وكيفية عملها وتفاعلها. فجاءت هذه المقاربة للفت نظر المشرع التربوي والممارس البيداغوجي والمشرف التربوي والفاعلين في الحقل التعليمي إلى مداخل وآليات تلك الحقوق في الفضاء المدرسي الواسع والمتنوع. ليضمنها القيم والمعارف والمعلومات والمهارات والكفايات البانية للحقوق. وليمارسها بالفعل في مجال تخصصه ومهنته. ويستحضرها سلوكا اجتماعيا مطلوبا، بل وواجبا لتترسخ عبر التراكم الاجتماعي والثقافي والتربوي والممارساتي.
1.1. مداخل حقوق الإنسان في الفضاء المدرسي:
تتعدد مداخل وآليات حقوق الإنسان في الفضاء المدرسي، لكونه نسق مفتوح على أنساق اجتماعية وثقافية وفكرية متنوعة. غير أني سأحصرها في المباشر منها: المنهاج، والمتعلم، والمدرس، وجماعة القسم، والمحيط الاجتماعي، والطاقم الإداري، وطبيعة النظام التعليمي، والممارسة الفعلية لهذه الحقوق داخل المدرسة. فهذه المداخل تلعب دورا خطيرا في تمريرها وممارستها في الميدان. ويتمثل تدخلها في أشكال متنوعة وكثيرة يمكن الإفصاح عنها كما يلي:
1.1.1. مدخل المنهاج:
لا يختلف اثنان في كون المنهاج هو الحامل الفعلي لمنظومة القيم والمعارف والمعلومات والكفايات الخاصة بحقوق الإنسان. ذلك أن المبرمج التربوي المغربي واع تمام الوعي بهذه الحيثية، ليس فقط في مستوى تضمين تلك الحقوق في الكتب المدرسية وتخصيصها بوحدات دراسية . بل في مستوى برمجتها مادة مستقلة بذاتها، مجالها خاص بهذه الحقوق، انطلاقا من تصريح الكتاب الأبيض المبني على ( اعتبار المدرسة مجالا حقيقيا لترسيخ القيم الأخلاقية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان وممارسة الحياة الديموقراطية )[1] والمرتكز على ( قيم المواطنة، وقيم حقوق الإنسان ومبائها الكونية )[2]، في تحقيق غايات عدة من جملتها:
( ـ تكريس حب الوطن وتعزيز الرغبة في خدمته،
ـ تنمية الوعي بالواجبات والحقوق،
ـ التربية على المواطنة وممارسة الديمقراطية،
ـ التشبع بروح الحوار والتسامح وقبول الاختلاف،
ـ ترسيخ قيم المعاصرة والحداثة،
ـ التمكن من التواصل بمختلف أشكاله وأساليبه،
ـ تنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني )[3]،
ومن أجل الاستجابة للحاجات الشخصية للمتعلم، التي تمس البعد الحقوقي في شخصيته، من قبيل:
( ـ الثقة بالنفس والتفتح على الغير،
ـ التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته،
ـ التحلي بروح المسؤولية والانضباط،
ـ ممارسة المواطنة والديمقراطية )[4].
ولأجله سخر برنامج اللغة العربية بالمدرسة الابتدائية على سبيل المثال جل الوحدات الدراسية في السنتين الأولى والثانية ابتدائي، لبث حقوق الإنسان فيها استضمارا، بتفاوت في قابلية حملها وفق طبيعة الوحدة. وخص السنوات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة بوحدات دراسية من ضمن مجالها حقوق الإنسان تصريحا، ففي برنامج السنتين الثالثة والرابعة هناك الوحدة الثالثة مجالها: " الديمقراطية وحقوق الإنسان "، و في السنتين الخامسة والسادسة هناك الوحدة الرابعة مجالها: " حماية البيئة، وحقوق الإنسان "[5]. في المقابل جعل مكون التربية على المواطنة مادة مستقلة، من مكونات الاجتماعيات في المدرسة الابتدائية؛ تتعاطى في المستوى الرابع ابتدائي مع " أنا والآخر كائنات إنسانية "، وفي المستوى الخامس ابتدائي مع " الحقوق والواجبات "، وفي المستوى السادس ابتدائي مع " اتفاقية حقوق الطفل "[6]
ومن هنا يتجلى لنا وعي المبرمج التربوي المغربي بأهمية حقوق الإنسان في أنسنة الإنسان وفي تمدينه. وقد قام بما يجب نحو حقوق الإنسان في بلدنا الكريم، مستهدفا تكريس هذه الحقوق بالتربية في الذاكرة الجماعية المغربية، وما أدراك التربية، البوابة الكبيرة التي تُدخل إلى شخصية المتعلم في أبعادها الثلاثة ـ إن لم نضف إليها البعد الرابع وهو البعد الاجتماعي ـ ، ومن ثم جاء دور الكتاب المدرسي لترجمة هذا الوعي إلى مادة دراسية قابلة للتصريف في القسم، من خلال الكتب المدرسية ومستلزمات المنهاج وفق متطلبات دفتر التحملات التي وضعته الوزارة، وتخفى علي بكل صدق المعايير والأسس النظرية التي أخرجت ذلك الدفتر بتلك الصيغة، إلا أنه يبقى مؤلف الكتاب المدرسي يتحمل مسؤولية تضمين حقوق الإنسان في كتابه، حسب معطياته النظرية والتطبيقية والإجرائية التي يمارس بها التأليف في حدود متطلبات دفتر التحملات، لكن في مقابل ذلك كله تبقى لجن التقويم تتحمل المسؤولية النهائية في تقويم ذلك الكتاب، والتدقيق في حمولته الحقوقية، وفي كيفية تنظيرها، وأجرأتها في الكتاب، وتقديمها إلى المدرس مادة قابلة لفعل التدريس.
ولست أملك حقيقة نقدية لوضع حقوق الإنسان في الكتب المدرسية، ذلك أن نقدها يستوجب المنهج التجريبي للوقوف على وضعها ونتائجها في الميدان، ومنه يمكن أن يكون هذا الموضوع محط بحوث قادمة. في مقابل غياب هذه الحقيقة النقدية، ومن خلال تجربتنا يمكن القول: أن من أسباب إخفاق الكتاب المدرسي في تقديم حقوق الإنسان، هو بناء هذه الحقوق في الكتاب المدرسي نفسه؛ سواء ما تعلق بالمنهج أو بالمضمون الحقوقي أو بسترجة إعداده درسا حقوقيا. وسأضرب لذلك مثلا، جميل أن نتحدث عن الحملة الانتخابية، لأنها ترمز للانتخاب، وهو آلية تكريس الديمقراطية في اختيار المؤهل لتسيير الشأن الوطني والمحلي، وتوطين ثقافة المؤسسات المنتخبة لدى المتعلم، والدفاع عن حق الانتخاب ترشيحا وترشحا... لكن التعاطي معه من منطلق الإخبار ضمن نص، تتضارب مضاميـنه مع صـورته التوضــيحية ( الصورة المصاحبة للنص)، التي يمكن للأستاذ الانطلاق منها إلى الدرس وجعلها مدخلا رئيسا له. لهو من مدعاة فشل الدرس في تقديم الانتخاب. خاصة أن النص في خلفيته، معان خفية توحي من خلال بنيته اللغوية بخواطر وبأشياء عديدة، قد تهدم كفاية الدرس من أساسه، فترك الساحة، والانصراف منها مفتوح الرأس على أسئلة الخاطر، يورد العديد من الأسئلة التي قد لا تكون في صالح النص. مما يحبذ إغلاق النص على حق الانتخاب أفضل من فتحه على أسئلة الخاطر. وهذا خلل في بنية النص، خاصة في معانيه الخفية. أضف مفارقة النص لصورته؛ ذلك أن النص يتحدث عن مجموعة من الناس تجمعوا في ساحة، يوزع بعضهم المنشورات، ومنصة مرشحيهم مزينة بالأعلام الوطنية واللافتات والملصقات. بينما الصورة تعبر عن أشخاص جالسين في قاعة، لأنها لم تترجم هيئة الوقوف، لاكتفائها بالكتف وما فوقه من الجسد، وخالية من الأعلام الوطنية واللافتات والملصقات، وتوزيع المنشورات، ومنصتها توحي لك بمنصة السنيما لا منصة نصبت في ساحة تضج بالحركة. كما أن الجمهور عبارة عن أشباح وظلال، وكذلك المترشحون هم ظلال في عمق الصورة؛ تقول لك برمزيتها أن هذه الحملة الانتخابية هي للأشباح والظلال، بل برفع الأيدي أخالها تذكر المتعلم بالمرشح الشبح الذي لا يظهر إلا بالمناسبات أو تذكرك بمؤسسات منتخبة... فتعمل هذه المتناقضات داخل الدرس على تقويض نتائجه. وقد يرى البعض أن تلك الصورة هي نسخة طبق الأصل للممارس في واقعنا الاجتماعي، فنرد بأننا في حضن عملية تربوية تعليمية تطمح إلى بناء المفاهيم كما يجب أن تكون، لا كما هي كائنة؛ لأن ذلك ينسف المفهوم من العمق لأننا نجعل الخخل منوط بالمفهوم لا بالممارسة، وهذا شيء خطير على المتعلم.
فتلك الحيثيات الدقيقة لا يمكن إغفالها في نظرية المنهاج، لأنها هي التي تتفاعل فيما بينها لتأثيث مفهوم الانتخاب لدى المتعلم، وهي التي تدخل ضمن سيرورة بنائه، من حيث وجوب عدم إغفال المعرفة الشكلية Connaissance figurative التي تعطي الأولوية لمظهر الشيء الخارجي والخصائص البارزة فيه، في إدراك المفاهيم والأشياء بل في إدراك المعارف، بجانب المعرفة المجردة Connaissance opérative التي تركز على الخصائص الصورية عبر العمليات العقلية التي يمارسها المتعلم على الشيء[7]. وهي التي يتخذها المتعلم مفاتيح لإشعال الذاكرة في استدعاء المفهوم والمعرفة المتعلقة به.
ومنها يمكن التفطن لدور المنهاج في شِـقِّ الكتب المدرسية، في بناء حقوق الإنسان عند المتعلم. وما يجب أن نضمنه من حيثيات دقيقة، ليقوم بدوره المنوط به. ناهيك عن المعينات البيداغوجية الموظفة فيه، من أجل تمرير تدريس تلك الحقوق، ولعل الصورة التوضيحية السابقة تعبر لك عن عدم مناسبتها لمضمون النص، وكيف لا تفصح عنه وتدل عليه ...
2.1.1. مدخل المتعلم:
لا يمكن التعامل مع المتعلم في المدرسة من مطلق فراغي. مجردا عن التأثير الاجتماعي الذي يمده بصبيب من الثقافة والسلوكات والقيم والمعارف... وبمرجعيات دينية وإيديولوجية وفلسفية ومفاهيم حياتية وممارسات ميدانية، يحملها معه ويستحضرها في تعامله معها وفيها. فذلك كله قد يحمل الطفل مبادئ وأسس حقوق الإنسان، وكيفية ممارستها. حيث نجد الأثر الكبير للتنشئة الأسرية في شخصية الطفل. فالأسرة لا تقتصر فقط على رعاية الطفل، وتمكينه من حاجاته المادية والمعنوية، بل تربيه على التعامل مع الآخر، والتفاعل معه من منطلقات اجتماعية وثقافية وحقوقية... معينة. وتكسبه هويته البشرية والإنسانية والاجتماعية والمجتمعية. فهي تمرر إليه القيم والقواعد والضوابط الحقوقية والثقافية والاجتماعية، التي تحكم تصرفاته وسلوكاته داخل المجتمع، وداخل مؤسسات هذا الـمجتمع. فيتأثـر بأسلوب المعاملة داخل الأسرة، سواء أكان هذا الأسلوب ديمقراطيا أو تسلطيا أو متسامحا أو غير مبال بما يحمله من قيم. ومن ثمة ينقله إلى المدرسة، فيصبح بذلك حاملا لنوع المعاملة والثقافة السائدة في أسرته، بما فيها من دوال حقوقية. فيأتي دور المدرسة لاستثمار ذلك إن كان إيجابيا، ويصححه إن كان سلبيا. وقد تضرب المدرسة به المثل لأقرانه في تفعيل حقوق الإنسان من خلال التنشئة الأسرية، التي تلقاها في أسرته. فقد ( أوضحت النتائج أن الأبناء الذين نشأوا في أسر ديمقراطية يميلون لأن يتصرفوا بإيجابية إزاء سلطة الوالدين أكثر من هؤلاء الذين أتوا من أسر متسلطة أو متسامحة )[8]، وبالتالي التصرف بإيجابية إزاء سلطة المؤسسة التعليمية، لأن ذلك التصرف تحول إلى كفاية.
فالمتعلم هو المقصود بحقوق الإنسان فهما وتربية وممارسة. والتنشئة الأسرية خاصة والاجتماعية عامة تسبق زميلتها تربية المؤسسة التعليمية زمنيا. مما يستوجب على المؤسسة التعليمية تفحص الحمولة الحقوقية التي يأتي بها الطفل إلى المدرسة ودراستها علميا للوقوف على مكوناتها. والانطلاق منها في كل عمل مدرسي يخصها. فنعرف ما حصيلته من تلك الحقوق، وكيفية تعاطيه معها، وهذا التفحص منوط في حده الأدنى بالتقويم التشخيصي الذي يطرحه الكتاب المدرسي خطوة منهجية أولى في مقاربة الدرس، ومنوط تفعيله بالأستاذ في القسم أثناء التدريس الميداني لدرس الحقوق. غير أننا عمليا وواقعيا لا نعرف عن حمولة المتعلم المغربي شيئا مما تتضمنه من مبادئ وأسـس حـقـوق الإنـسان. فلا نعرف من أين نبدأ ولا أين ننتهي.
وحتى ينجح مدخل المتعلم في توطين حقوق الإنسان لديه، يجب أن ينسجم ما يحمله المتعلم من قيم ومعلومات ومعارف ومفاهيم عن حقوق الإنسان، بما تدرسه المؤسسة التعليمية والتربوية من هذه الحقوق، فيؤدي الانسجام بينهما إلى التكامل في الوظيفة التعليمية والتربوية والتنشيئية للمتعلم على حقوق الإنسان، حيث يجد ما أخذ منها في الأسرة حاضرا في المنهاج المدرسي، ومؤصلا بمواد قانونية، وبمرجعيات تشريعية ودينية وأخلاقية، ترسخه لديه بشكل جيد، لتطابق ما تدعوه الأسرة إليه من حقوق، وما تنادي به المدرسة كذلك. لكن ليس هذا حاصلا دائما، مما يجعل مدخل المتعلم إلى حقوق الإنسان مفارقا لما تدعو إليه المؤسسة التعليمية. ولعل البرامج المدرسية الحقوقية وسلوكات المتعلم تدل على أن هناك في بعض الأحيان؛ إن لم نقل جلها شرخا بين ما يلقن له من حقوق وما يحمله عنها. إذ في المدرسة أقل ما نعلمهم نظريا احترام الرأي الآخر. بينما تنشئته الأسرية تعلمه الصمت المطبق في حضور الوالدين أو الإنسان الأكبر. وتعلمه الخروج من محفل الضيوف. ولا تصغي إلى رأيه، فهو دائما طفل لم يبلغ الرشد بعد. وليس الأمر يهمه. فنجد المؤسسة التعليمية هي الأخرى تعكس الآية في بعض الأحيان، ولا تتجه نحو التكامل بل إلى هدم ما تدعوا إليه من حقوق، وهدم ما يحمله المتعلم منها، وذلك بممارسة البعض القمع المعنوي أو المادي على المتعلم، بدعوى البلادة أو الثرثرة أو التخلف العقلي... أو بأي حكم عام، قد يصدره المدرس أو الإدارة أو من ينوب عنهما من الفاعلين التربويين، ولو كان مجحفا لحقه ومصادرا له كمفهوم أو كذات. فتنشطر حقوق الإنسان لدى المتعلم إلى نظري، عبارة عن حقوق في حكم الترف الفكري، وإلى حقوق مقابلة لها عملية تلغي الأولى من الحسبان. فتنشطر شخصية المتعلم بين نظري يكذب الواقع، وواقع يكذب النظري، فتضيع بينهما حقوق الإنسان ولا تأخذ قيمة التداول الاجتماعي والقانوني والأخلاقي...
والتنشئة الأسرية يجب أن تؤهل طفلها لأن يكون مواطنا داخل الأسرة، مقابل أن تؤهل التنشئة الاجتماعية الطفل لأن يكون مواطنا في المجتمع. فيجتمع هذان البعدان في المؤسسة التعليمية من خلال تركيز ذلك بتوطين المفاهيم والمعارف والمعلومات والكفايات والقيم والواجبات والحقوق، وبتفعيل ممارستها عمليا من خلال الحياة المدرسية. وبذلك فالمدرسة مطالبة باستثمار بوادر حقوق الإنسان، التي يحملها المتعلم معه من التنشئة الأسرية والاجتماعية. وتضفي عليها صفة المؤسسة.
3.1.1. المدرس:
للممارس البيداغوجي الأثر الكبير في تمكين المتعلم من نظرية حقوق الإنسان فلسفة ومنهجا وسلوكا في الحياة. وممارسة ميدانية تمنح الدلالة للوجود الإنساني والاجتماعي للإنسان. فهو بذلك مدخل رئيس وبوابة واسعة للنفاذ منها إلى حقوق الإنسان، من حيث تعاطيه مع المادة الدراسية الحقوقية، وتحويلها إلى مادة مدرسة في القسم مع المتعلم، وفي الوسط المدرسي مع الإدارة والزملاء، وفي المحيط الاجتماعي للمؤسسة مع رواد هذه الأخيرة والمحيطين بها والمتفاعلين معها، في حدي المعادلة: النظري والعملي. ومنه تتجلى أهميته وسيطا فاعلا في حقوق الإنسان تعليما وممارسة، وخطورة موقعه ووساطته وأسلوبه في التدريس والتعامل مع المتعلم، في تفعيل هذه الحقوق من النظرية إلى التطبيق في القسم. ولست في مقام الحديث عن الدراسات التي همت أثر أسلوب التدريس في شخصية المتعلم. وإنما في مقام التذكير بأهمية تلك العلاقة التي تربط المدرس وحقوق الإنسان إيمانا بها، وهوية متماهى بها، وسلوكا ديمقراطيا نافذا في الأداء الصفي. فكلما كان التدريس بأسلوب ديمقراطي تطبعه حقوق الإنسان بوجهيها الواجب والحق، كلما تشبع المتعلم بذلك وصرَّفه في حياته الخاصة والعامة ديمقراطية تؤمن بحقوق الإنسان، وتفعلها بين الذات والموضوع. حيث (تتيح الديمقراطية للمعلمين والتلاميذ فرصة الاختيار من بين البدائل الموجودة، والمسموح بها في الإطار الموجود للنظام المدرسي. وهذه المرونة في الاختيار تنمي عند الجميع وخاصة التلاميذ المسؤولية، لأن أعضاء الصف يتحملون النتائج المسرة والمؤلمة التي قاموا بتنفيذها. وهكذا يتبين بأن الديمقراطية تقوم أساسا على تنمية الإحساس بالمسؤولية نتيجة الاختيار أو الحرية ضمن إطار النظام والالتزام والاحترام )[9].
فالمدرس إن كان متشبعا بحقوق الإنسان وحاملا لها، فإنه يدرسها ويمارسها في القسم مع تلاميذه في نفس الوقت. فيكون بذلك أفضل مثال حي لهم، يلمسون فيه التكامل بين النظرية وتطبيقها. ويكون بذلك ممتلكا للحس النقدي الذي يقف على منزلقات البرنامج الدراسي في مجال حقوق الإنسان، حيث يعرف ما يقدمه للمتعلم وكيف يقدمه، وما الوسائط التعليمية التي يوظفها لذلك، كما يكون في مقابل ذلك ناقدا لحمولة المتعلم من تلك الحقوق، فيصحح الأخطاء والمفاهيم والسلوكات المنحرفة، والاتجاهات والمواقف من حقوق الإنسان، في إطار وعيه بأهمية تلك الحقوق في الحياة، ونتائجها العملية؛ التي يجنيها الإنسان عامة والمتعلم خاصة. فيصير الأجدر في تغطية الفارق بين الكائن والممكن منها. وبذلك يتحول إلى حامل وممارس وناقد لها في القسم. فهو جدير بوضع حمولات حقوقية في بنية الدروس وفي وسائلها. وفي أسلوب تدريسه وإن لم تكن فيها، بل هو جدير بتطويرها من خلال استحداث أساليب في التعاطي مع البرنامج الحقوقي، والمتعلم، والمحيط المجتمعي والاجتماعي للمؤسسة، والإدارة التربوية، والآباء، والفاعلين المدنيين... فحقوق الإنسان سيرورة دائمة من التفاعلات الاجتماعية، تتطور من خلال تراكماتها وإفرازاتها السلبية والإيجابية. وتتحقق في المدرس عبر صوته المثاليته التي يضفيها المتعلمون عليه، كونه قدوتهم في كل شيء. وبذلك يمكن القول أن المدرس حامل لحقوق الإنسان أمام المتعلم، الذي يرها متجسدة فيه من خلال أسلوب تدريسه وتعامله مع المتعلم. لهذا يجب فهم هذا الوضع من قبل المدرس، ووعيه به. ونحن نلمس عن قرب الأثر السلبي تربويا واجتماعيا وسيكولوجيا للمدرس غير الديمقراطي والمتسلط والمتهور على متعلميه. وكفانا مثالا ما يجري في المراقبة المستمرة من محاباة للتلاميذ لاعتبارات متنوعة ومختلفة. منها ما يتعلق بالجانب المادي كالساعات الإضافية أو ما يتعلق بالوضع الاجتماعي لأسرة المتعلم أو ما يتعلق بسحنة المتعلم ذاته...
والمدرس غير المتشبع بحقوق الإنسان ينسف الدروس من أساسها، باعتباره المكون الأهم للمتعلم، والمقدم الفاعل في تلك الحقوق، فهو يعمل من حيث يدري أو لا يدري على بطلان قيمتها، من خلال سلوكه اللاديمقراطي أولا، ثم من خلال جهله بتلك القيمة ثانيا. فينسف منظومة حقوق الإنسان في المجتمع نسفا، وبالتالي يعكس هدف المبرمج التربوي إلى نقيضه.
ومن المنطلق وجوب تشبع المدرس بتلك المنظومة، كان لزاما على التكوين الأساس إمداد المدرس بمجموع مكونات منظومة حقوق الإنسان، وتحسيسه على الأقل بدوره الخطير في تدريس هذه الحقوق. وتمكينه من ممارستها في القسم تفعيلا وتفاعلا مع المتعلمين. غير أن التكوين الأساس يغفل هذا رغم أهميته، وإن ذهب فيه بعيدا، أجراه مجرى الإخبار لا التحسيس... كما أن المدرس الذي يـتـعاطى مع مكونات الفعل البيداغوجي برؤية غير ناقدة، يساهم بطريقة أو بأخرى في ترسيخ البرنامج الخفي المضاد لهذه الحقوق، وفي تحقيق الأهداف الماورائية ـ الغير مقصودة طبعا ـ لإعادة الإنتاج، وتكريس الوضع القائم من الممارسات الهادمة للمنظومة الحقوقية. ومن ثم فإن التفكير النقدي للمدرس ينعكس على المتعلم إيجابا، حيث ( بتعلم الطفل كيف يفكر تفكيرا نقديا، وكيف يحكم موضوعيا على وجهة نظره تماما مثلما يحكم على وجهة نظر الآخرين، فإننا بذلك نعلمه كيف يصبح شخصا ديمقراطيا، بل يجب أن يتصرف أو أن يكون سلوكه أيضا ديمقراطيا. ويمكن أن يحدث ذلك عندما نصمم المدرسة كتنظيم ديمقراطي، ونشجع الاتصال الديمقراطي بين المدرسين والطلبة، وبين الطلبة بعضهم مع البعض )[10].
4.1.1. مدخل جماعة القسم:
لا يجادل اثنان في كون جماعة القسم لها القسط الوفير في التفاعلات الاجتماعية بين مكونات القسم. ونقل الحمولة الاجتماعية إليه، لذا اهتمت مختلف العلوم بدراستها. خاصة علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي ونظرية التواصل. مما أعطاها تحليلا عميقا ليس هذا مجال تفصيله، وإنما نشير إلى أن: ( الجماعة التربوية هي في الوقت ذاته جماعة اجتماعية، ومن ثم فإن دراسة تفاعلات هذا النظام الاجتماعي في إطار حركيته مسألة ضرورية لفهم منطق الجماعة الداخلي،ومستوياته حركيتها )[11]. ومن ثم فإن المدرس والمشرع التربوي والمتدخلين التربويين، عليهم دراسة النظام الاجتماعي ومنطقه الداخلي للوقوف على مكوناته المختلفة، والبحث في حمولاته المفاهيمية والأدائية والفلسفية وميكانيزماته، لاستثمار مناشط حقوق الإنسان منه، في تفعيلها داخل جماعة القسم، والانطلاق منها في التدريس والممارسة التعليمية. واتخاذها المنطلق في بناء نظام حقوقي لجماعة القسم، من خلال القواعد القانونية الضابطة لواجبات وحقوق أعضاء هذه الجماعة.
وجماعة القسم تعتمد على القائد الرئيس وهو المدرس، والقواد الفرعيين لزمرها المتنوعة. وعلى أساليب قيادتهم. ومن هنا كانت معرفة الجماعة مدخلا إلى نوع القيادة التي ستمارس تلك الحقوق لدمقرطة الحياة فيها. ففي (دراسة تجريبية أجراها كيرت ليفين وزملاؤه للتعرف على أثار الاختلاف في بناء الجماعة، بعد إيجاد أجواء اجتماعية مختلفة لجماعات الصبيان في سن الحادية عشرة، وذلك بتنويع أداء الراشدين المشرفين على الجماعات لأدوارهم، فكان المشرف الذي يعتمد القيام بدور ديمقراطي يستدعي الصبيان معا ويسألهم عما يريدون عمله بالوقت والموارد المتاحة لهم في النادي الذي أعده المجرب، وعلى الرغم من أنه كان هو القائد، إلا أنه تفاعل مع الصبيان حتى أصبح بالفعل عضوا في الجماعة، فكان يشمر عن ساعديه ويعمل ويلعب معهم ويتمشى مع الخطط المتفق عليها مثله في ذلك مثل أي عضو آخر، وفي المقابل كان المشرف الآخر الذي يقوم بدور المتسلط يجمع جماعته ويصف لكل عضو ما يجب عليه عمله وكيف يجب تأدية هذا العمل، وكان يراقب الصبيان بانتباه ويخبرهم بما عليهم أن يفعلوه في كل خطوة. وتبين من نتائج التجربة أن البناء التسلطي للجماعة يؤدي إلى إثارة قدر كبير من العدوان الذي يوجه عادة إلى كبش الفداء في الجماعة. ولكنه لا يوجه أبدا إلى المشرف، وكانت صفات مثل تبلد الشعور، والافتقار إلى الدافع والاعتماد على المشرف هي السمات الرئيسة للجماعات التسلطية وكان القائد المتسلط هو مركز الاتصال، وكان هذا الاتصال يقتصر على نشاطات النادي، الذي كان نشاطا رسميا أكثر منه نشاطا تلقائيا. وعلى النقيض من ذلك، كانت الجماعة التي سادها الجو الديمقراطي أكثر حرية في الاتصال، واستخدام الأعضاء الضمير< نحن > كما قدموا اقتراحات أكثر تتعلق بشؤون وسياسة الجماعة وأظهروا حبا أكثر لقائدهم )[12].
فجماعة القسم تؤثر في حقوق الإنسان داخل القسم وفي اكتسابها وممارستها. فكلما وعينا بهذا كلما عرفنا كيف نستفيد منها في تفعيل المبرمج منها في المدرسة، وكيف نستثمر العلاقات الاجتماعية بين مكونات الجماعة في عيار سلوكها بحقوق الإنسان أو دمقرطة سلوكها وفقها، وكيف يصبح غير الحقوقي نشازا في جماعة القسم، وكيف نبني ثقافة الواجبات والحقوق بين المتعلمين، وبين المدرسين أنفسهم، وبين مختلف الهيآت المتدخلة في الفضاء المدرسي، وكيف نمكنهم من آليات حقوق الإنسان.
فيمكن الاستفادة من جماعة القسم في تحميلها منابت حقوق الإنسان، مرجعية قانونية وأخلاقية ودينية واجتماعية تعليما وتعلما، بل استثمارها من داخلها عبر التفاعلات التربوية والاجتماعية التي تقع داخل القسم بقيادة الأستاذ. ومنه فإن الجماعة التربوية التي لا تحمل الحمولة الحقوقية أو تستهين بها أو تكذبها أو ترى عدم جدواها، تقف معوقا أمام المُبَرْمَجِ منها، وأمام العملية التدريسية، وأمام الممارسة الفعلية لتلك الحقوق. وبذلك فهي من مواطن اللافعل لحقوق الإنسان بالمؤسسة التعليمية، مما يوجب فطنة المبرمج التربوي خاصة منه مؤلف الكتاب أن يخلق في كتابه وضعيات تعليمية تعلمية حية بحقوق الإنسان، كأن يطرح إشكالية ما تتعلق بتفعيل تلك الحقوق لحلها. كما على الأستاذ نفس الموقف في مستوى التعليم والأجرأة لما برمج، والتصحيح لما هو قائم أو وارد ما جماعة القسم.
5.1.1. مدخل المحيط الاجتماعي:
المحيط الاجتماعي للمؤسسة التعليمية له هو الآخر الأثر في تفعيل حقوق الإنسان في الفضاء المدرسي إن كان متشبعا بها، وممارسا لها. ومعتبرا إياها أسسا للمواطنة، ومواطنا فعليا بها. فهو خير داعم لها في المؤسسة. غير أن العكس صحيح إن كان غير مؤمن بها، ولا ممارس لها. فهو بذلك الاتجاه المعاكس، يكرس ثقافة القضم والهضم للحقوق والواجبات على حد سواء. وهو اتجاه غير مرغوب فيه مدرسيا، لأن المدرسة تسعى لترسيخ القيم الأخلاقية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان وممارسة الحياة الديمقراطية، لوعيها بأن ( النظام الديمقراطي يستهدف تنمية ملكات الإنسان وقدراته إلى أقصى حد ممكن في الوقت الذي تعمل الأنظمة الأخرى وهي لابد أن تكون استبدادية بمعنى من المعاني على تدمير هذه الملكات. ولهذا يندر جدا أن تجد إبداعا أو أصالة في المجتمعات التي تحكم حكما دكتاتوريا أو تسلطيا يقتل مواهب الفرد، ويهدر إمكاناته ويدمر ملكاته، بل على العـكس، لقد أثبتت الدراسات العلمية أن المواطن الحر ينتج كمية أكبر، ونوعية أفضل من الإنسان المستعبد )[13]. وهذا ما تستهدفه المدرسة بتعاطيها مع المحيط الاجتماعي لإقصاء التسلط منه، وإضفاء الواجبات والحقوق عليه وفيه بأسلوب تربوي فاعل، ونشر الفكر الديمقراطي الفاعل فيه. إذ التسلط نوعان نوع ظاهر جلي ونوع خفي. فالجلي منه التطرف والراديكالية وإقصاء الآخر بادعاءات مختلفة ومتنوعة في الكم والنوع والدرجة. والخفي منه حرمان الناس من حقوقهم وممارسة الديماغوجية عليهم. وإعطائهم باليمين لأخذ ما أعطي لهم بالشمال؟!.وسأضرب مثلا لهذا: الإجحاف الموجود في بعض الإدارات العمومية والخصوصية ـ نتيجة العقليات التي لا تؤمن بحقوق الإنسان نحو إعطاء الحقوق لأصحابها ـ لن يولد إلا محيطا اجتماعيا مشبعا بالإجحاف والاختناق. فنجد الكبير يجحف حق الصغير، والمدرس يفعل نفس الشيء اتجاه المدرس، والمدير كذلك نحو المدرس، والرئيس نحو المرؤوس وهكذا الدائرة مفرغة. مما حدا بالعاهل المغربي ملكنا محمد السادس أن يدعو إلى تحديث الإدارة وصياغة مفاهيم جديدة لها متفتحة على المواطن حتى نؤسس بذلك محيطا اجتماعيا متشبعا بحقوق الإنسان وبالديمقراطية. ذلك أنه (عندما يسود السلوك الاجتماعي الديمقراطي في مجتمع ما حينئذ يمكن أن نتحدث عن ثقافة تسودها المشاركة الاجتماعية، والتي تتميز عن ثقافة الخضوع التي تسود في المجتمع غير الديمقراطي أو التسلطي، فثقافة المشاركة خاصة بالنسق الاجتماعي المتقدم الذي يسوده القانون، وهذا القانون يتصدر كل الضوابط الاجتماعية الأخرى، والذي يكون الأفراد أمامه سواء. ويتبع أفراد هذا المجتمع في سلوكهم النسق المتقدم لقواعد التحليل والاختيار، ويلجأون إلى أسلوب الحلول الوسط المرضية لجميع الأطراف ولا يلجأون إلى العنف في حل صراعاتهم )[14].
فالفضاء المدرسي بكل مكوناته يجب أن يتفاعل مع معطيات المحيط الاجتماعي للمؤسسة، ويرشح منها وعنها ما يخرق حقوق الإنسان، ويستثمر الوجه الجيد منها ليدعم تلك الحقوق الممررة للمتعلم بالتعلم. فالمحيط الاجتماعي فاعل مهم في تمكين مكونات الفضاء المدرسي من التعاطي مع الحقوق انطلاقا من الممارسة الحقوقية التي تتم فيه، فتستثمرها المؤسسة بكل مكوناتها في تفعيل حقوق الإنسان داخلها. فمثلا الأب الذي يزور المؤسسة في شأن ما، ويقدم بسلوكه الحقوقي الحي، الذي يتعامل به مع الإدارة أو الأستاذ نموذجا للمتعلم في اكتساب تلك القيم والحقوق، بينما الأب الذي لا يتمتع بذلك السلوك، فهو يقدم نموذجا رديئا عن تلك الحقوق، ليس نظريا فقط بل عمليا وبالملموس. فحين يكون المتعلم في وضع غير قانوني، ويتدخل المتدخلون للضغط على الجهة المدرسية لقضم حقها، يعلمون ذلك المتعلم كيفية عدم تقدير واحترام القانون والحقوق والواجبات. ومنه يكون المحيط الاجتماعي هادما لما تبنيه المؤسسة التعليمية. والواجب أن يكون هذا المحيط بانيا موازيا لها، فيستوجب ذلك مسايرة المحيط الاجتماعي مسار الوزارة في ترسيخ حقوق الإنسان والعمل بها فعليا، حتى نعطي لها المصداقية والقيمة التداولية الحقيقية التي يجب أن تكون لها.
فالمحيط الاجتماعي إذن مرشح أن يلعب دورا مهما في تمكين مكونات الفضاء المدرسي من حقوق الإنسان. وأن يكون مدخلا لها من خلال استنباتها فيه. فمثلا يمكن للمدرس أن ينطلق في درس الحقوق والواجبات في السنة الخامسة ابتدائي، من ممارسة تلك الحقوق في المحيط الاجتماعي. كأن يستشهد بحرية الصحافة في درس حرية الرأي أو يستشهد بأداء الضرائب حقا على المواطن اتجاه دولته، لأنه مصدر مهم من مصادر دخل الخزينة العامة، يعود نفعها على المجتمع برمته، لا التملص منها... وهكذا يمكن استثمار المحيط الاجتماعي تربويا في تمكين المتعلم من منظومة حقوق الإنسان نظريا وعمليا.
والمحيط الاجتماعي فيه من الحقوق حقوق. فهناك الحق السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي والفردي والفئوي والجماعي... مما جعل المبرمج المغربي يأصلها في المتعلم منذ اللحظة التي يتمدرس فيها، لما لذلك من أثر إيجابي عليه، حيث (أوضحت بعض الدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، أن التعليم السياسي للطفل الأمريكي يبدأ من سن الثالثة، أي قبل أن يلتحق بالمدرسة، ولكن بطريقة رمزية محسوسة، إذ يرتبط عاطفيا برموز بلده قبل إدراكه لعالم السياسة بوقت طويل، ففي مستهل حياته يعبر عن إعجابه بالأشياء المحلية التي يراها أمامه، كالحدائق والمدارس، ثم يلي ذلك معرفته برموز ملموسة للسلطة العامة كرجل الشرطة والعلم، وفي بداية مرحلة الطفولة، غالبا ما يكون إدراك الطفل عن رئيس الدولة مشابها لإدراكه لوالده، نظرا لأنه يرى في السلطة الأبوية تعبيرا عن حقيقة مثالية تحكم حاجته إلى الأمن والحماية، ومع تقدم السن يزداد إدراك الطفل للرئيس كجزء من نظام حكومي أكثر تعقيدا. وفي المراهقة يبدأ المراهق تحمل بعض واجبات المواطنة كالاشتراك في التصويت وأداء الخدمة العسكرية )[15].
6.1.1. مدخل الطاقم الإداري:
الطاقم الإداري هو العامل الحاسم في خلق جو ممارسة حقوق الإنسان في المدرسة، لكونه المعبر الحقيقي عن نوعية نظام التعليم. فإن كان نظام التعليم حقوقيا وديمقراطيا سيكون الطاقم الإداري حقوقيا وديمقراطيا، والعكس صحيح كذلك. والوزارة واعية بهذا؛ لذا وجدناها في العشرية تقنن وتشرع للنظام التعليمي الجديد من القوانين والتشريعات المدرسية، وتسد ثغرات القديم منها، لعلها ترقى بهذا النظام إلى طموحات الإنسان المغربي ومنظري وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي؛ غير أنه ـ رغم ذلك وهو جهد مشكور عليه ومأجور إن شاء الله تعالى ـ هناك بعض الاستثناءات من هذه القاعدة، ونلمسها في ثغرات بعض قوانيننا التعليمية، ويزيدها استفحالا وجود بعض الممارسات الإدارية غير الحقوقية وغير الديمقراطية، ممن لا يملك الحس الحقوقي، وهذا أمر طبيعي يرجع إلى أن هذا الملف هو ملف مستحدث في منظومتنا التعليمية والتربوية، وما زال العديد منا لم يتعود بعد ثقافة حقوق الإنسان، ويتهرب من تبعاتها التاريخية، والاجتماعية. ذلك أن لها دورا في محاسبة النفس قبل الغير، فكثيرا ما نجد القوى المعارضة لهذا الاتجاه من داخل الإدارة، لأنها طبعت وجبلت على نمط معين من العقلية الروتينية، التي تخلق من ذاتها مدافعا عن المألوف، ونعتقد هذا من طبيعة الحركات الاجتماعية، والتموجات المجتمعية وفق المنظور السوسيولوجي. ولـعله يحـضرني في مقامـه قول أحدهـم لزمـيله المـنفتح على التلاميذ: " إنك بالسماع إليهم ومناقشتك في النقطة، ( ستدسرهم ) علينا؛ لذا الواجب عليك الإقلاع عن هذا السلوك المتفتح والمنفتح "...
هذا مع التلاميذ، أما فعل الإدارة التربوية مع هيئة التدريس في الواقع ـ وحسب بعض رؤسائها ـ فشيء آخر، أنقل منه أنها تفرق لتسود، وتتسلط ليسير وفق منظورها سير المؤسسة، تخرق القانون متى شاءت... مما يضرب منظومة حقوق الإنسان التي يدعو إليها النظام التعليمي في العمق. ولعل المرسوم رقم 2.02.376 المؤرخ في: 6 جمادى الأولى 1423 الموافق لـ 17 يوليوز 2002 بمثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي، يمنح فرصة كبيرة للمؤسسة التعليمية ولإدارتها الإقلاع عن التسلط، من خلال تحديد مهام كل مكون من مكوناتها، وتفعيل مجالس المؤسسة الضامنة للتسيير الجماعي للمؤسسة التربوية والتعليمية. فأجد مثل هذه القوانين تصب في نهر حقوق الإنسان، تبقى مسؤولية التفعيل على الرجل الميداني، وعلى المراقبة حسب تخصصاتها. وهنا ألمس عن قرب الانسجام ـ بغض النظر عن نوعه وكمه ودرجته ـ بين المنحى التعليمي والتشريعي في وظيفة الوزارة. مما سيحسن أداء الإدارة التربوية وهيئة التدريس وهيئة المراقبة نحو حقوق الإنسان تصريحا أو استضمارا.
والطاقم الإداري مرتبط في أدائه بنوعية القيادة فيه. حيث القيادة الديمقراطية أو الشورية كما في الإسلام لا ترتكز السيادة فيها في القيادة العليا وتتمركز وتتركز في يد واحدة، وإنما تتقاسم مسؤوليات القيادة على القيادات الأخرى، وعلى القوادر الإدارية، وتعتمد الشورى والمشاركة الجماعية في صنع القرار الإداري، وعلى الترغيب والتحبيب والقدوة والمثال والإقناع والحوافز المادية والمعنوية، وعلى العلاقات الإنسانية السليمة، وحفظ الكرامة للقادر الإداري وللموظف والعامل، وعلى النظام المبني على التفاعل والتواصل، الهادف لتحقيق المنفعة العامة للمتعلم أولا ثم لمكونات المؤسسة التربوية التعليمية ثانيا، ولعلي أجد في الدعوة إلى اللامركزية واللاتمركز في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وفي الجهوية... إرهاصا حقيقيا لتبني القيادة الجماعية للشأن التربوي والتعليمي، وهي دعوة تصب في تطوير قطاع التربية والتعليم نحو إقرار حقوق الإنسان فعليا في الميدان، بعيدا عن الحكم على أجرأتها.
فمن شأن هذا التوجه نحو حقوق الإنسان، توطين الثقافة الحقوقية، الشيء الذي يسمح ببروز المهارات والقدرات الشخصية والإبداع والابتكار في مواجهة المشاكل والأزمات، ويؤدي إلى تطور الإدارة وتجديدها بالأساليب المتطورة والحديثة. كما أن عائدها التطوري مهم على مكونات الفضاء المدرسي الأخرى؛ إذ يكرس الديمقراطية والمواطنة وثقافة حقوق الإنسان لديها. ويحولها سلوكا يوميا في التعامل بين تلك المكونات. فمثلا المتعلم الذي يجد إدارة مدرسته ديمقراطية تعطيه حقوقه وتستفي منه واجباته، لا يقبل بالمطلق أن يمارس عليه المدرس أو أي متدخل تربوي آخر اللاديمقراطية أو ينتقص من حقوقه، في مقابل ذلك لا يرضى بقَبوله الانتقاص في أداء واجباته من ذاتيته. ويجد في القوانين والتشريعات المدرسية، وفي المنهاج الدراسي ما يسعفه في الارتكاز عليه، في مملرسة حقوقه وأداء واجباته. فتكون إدارته المدرسية بتلك الديمقراطية مدخلا لتربيته على حقوق الإنسان. ومن هنا كان تحميل الإدارة التربوية خاصة والإدارية عامة شحنات ثقافة حقوق الإنسان واجبا وطنيا وشرعيا من أجل سيادة الديمقراطية في المؤسسة التعليمية، وتطبيقا لروح الميثاق الوطني للتربية والتكوين العمق المرجعي لحقوق الإنسان في المنظومة التعليمية والتربوية والتكوينية...
والطاقم الإداري في عمقه وحقيقته ليس أشخاصا فحسب، وإنما هو فكر وثقافة وممارسة في صيغة نسق مفتوح من التفاعلات القانونية والاجتماعية والإنسانية في اتجاه المتعامل معه. يجب أن يدرك بدقة وبصيرة حتى يُعرف كيفية التعامل معه. ومنه كان لزاما فهم الطاقم الإداري لتمكين مفاصله الوظيفية من حمل مناشط وأساسيات منظومة حقوق الإنسان. والدفع بها نحو الممارسة السليمة ضمن التفاعل الاجتماعي والقانوني القائم في الفضاء المدرسي. ذلك أن التفاعل الاجتماعي قائم في أساسياته على البعد الأخلاقي ممكن التحقق، وأما البعد القانوني فقائم على بعدي الواجب والحق وهو واجب التحقق. لذا إن تحققا في الوقت ذاته كان أفيد لمنظومة حقوق الإنسان وللفضاء المدرسي ولباقي مكوناته.
والطاقم الإداري من جهة يبقى قدوة في الفضاء المدرسي لباقي المكونات في مجال حقوق الإنسان؛ خاصة الناشئ الذي يقصد بالتربية عليها وعلى المواطنة. وتبقى تلك القدوة مطالبا يتمثل قيم حقوق الإنسان والديمقراطية والمواطنة في الميدان لمواجهة القوى المضادة للتوجه الحقوقي. من حيث ـ القدوة ـ فعل ميداني واقعي، يستطيع تغيير المعيش اليومي من الكائن إلى الممكن؛ عبر الموجود من المبادئ والقيم والمعارف والنظم والمهارات والكفايات المؤسسة والبانية لحقوق الإنسان وللمواطنة وللديمقراطية...
7.1.1. مدخل طبيعة النظام التعليمي:
هذا المدخل أخطر مدخل يكرس حقوق الإنسان أو تنفيها من أساسها، لأنه الحامل للقانون المدرسي والإداري، والحامل للقانون الاجتماعي بالتضمين. فهو الضامن الحقيقي لمبادئ الفكر القانوني والاجتماعي الباني لحقوق الإنسان في الفضاء المدرسي وفي المجتمع. وسأضرب مثالا لخطورته، حيث إذا ما كان النظام التعليمي مبني على فلسفة بناء المواطن الصالح بمواصفات الخنوع والخضوع والسلبية. فإن التشريع المدرسي سيروم خلق قوانين ومساطر تنظيمية ومناهج تربوية... تؤدي بفعل سيرورتها إلى سلب المدرس والإدارة حرية القرار والفعل والمشاركة، وتؤدي بالتلميذ إلى سلبية التعليم من تلقين وتسييد التقديس على الأفكار والأفعال دون نقدها وتمحيصها. وسلب إرادته في القسم بتقبل المملى عليه دون نقاش أو تدخل منه. وتقوي مواطن السلب في المنهاج قصد استضمار مواده مناشط السلب، وبلورتها في قيم ومواقف تبجل الأفكار والأشخاص، وتسير بهم إلى الهدف المنشود، فتجد الحوقلة واردة مع العجز، والانسحاب واردا مع ضخامة الساحب وهزالة المسحوب، والرعب مبثوثا في ثنايا القصص الخيالية. والمواقف السلطوية. فيتحقق المواطن الصالح المخنوع المخدوع المخبول السلبي. وهنا أستحضر قياسا على الفضاء المدرسي الفضاء الجامعي؛ حيث أتذكر حادثا مازال ماثلا بين عيني، وأنا أجتاز اختبار الشفهي، اعترضت في مناقشتي على أستاذي في علوم الحديث. فإذا به رحمه الله تعالى يصعب علي الامتحان، ويقهرني طالبا مني "تربيع يدي "!، وسألني خارج المقرر، ولكن ماذا أفعل أمامه. فإن كان هذا معي وأنا شاب حينذاك! فكيف يكون الحال هذا مع الصبية الذين مازالوا في طور التنشئة؟. وأما ما إذا كان النظام التعليمي مبني على فلسفة المواطن الصالح بمواصفات الناقد الفاعل الديمقراطي، المواطن الحقيق بالتكريم والاعتبار. فإن التشريع المدرسي سيخلق قوانين وممارسات عادلة بين الجميع. تؤسس منظومة حقوق في العمق الإنساني للمتعلم. وتمكنه من جميع الصيغ الحقوقية ليكون مواطنا صالحا في الفضاء المدرسي قبل أي فضاء آخر. وسيتمثل هذا المتعلم النظام المدرسي بكل أبعاده الفلسفية والاجتماعية والثقافية، ويفعله في حياته المدرسية، ويحبذه ويستهجن غيره، وينبذ فاعل هذا الغير.
فالنظام التعليمي ترجمان حال النظام الحقوقي للمجتمع. فكلما كان النظام الحقوقي في المجتمع متأصلا ومتجذرا وفعالا، كلما انعكس ذلك على النظام التعليم، الذي ( يمكن أن يقلل من التسلطية ويزيد من الديمقراطية عند الأفراد الذين في مجتمعات، يكون فيها التعليم غير تسلطي في طبيعته، وعن طريق مدرسين غير تسلطيين )[16]. فالنظام التعليمي بما يحمل من فعلي التعليم والتعليم، يمكنه بث ثقافة حقوق الإنسان في التربية المدرسية وغير المدرسية لأنه ( كلما ارتفع مستوى التعليم زاد احتمال أن يكون المجتمع ديمقراطيا، فمفهوم وأهداف التربية تعكس قيم ومعايير المجتمع. فالأطفال لا يولدون ديمقراطيين، لكنهم يكتسبون درجة معينة من المعرفة، والفهم والخبرة عن السلوك الديمقراطي قبل أن نتوقع منهم أن يسلكوا سلوكا ديمقراطيا )[17].
وبذلك فإن مدخل طبيعة النظام التعليمي يشكل مدخلا حقيقيا لمنظومة حقوق الإنسان، من حيث هي قوانين منصفة وعادلة افتراضا في حق مكونات المنظومة التربوية. ومن حيث هي ممارسة ميدانية لتلك القوانين تعكس واقعها على السطح التعليمي، فيمكن تحميله ـ أي النظام التعليمي ـ المبادئ والأسس والقيم والمعارف والمعلومات البانية للمنظومة الحقوقية، لترسيخها واقعا ممارسا في واقع الوزارة ومرافقها المتفرعة عنها. ولعل توجه الميثاق الوطني للتربية والتكوين نحو تجديد النظام التربوي، بإدخال مفهوم الشجرة التعليمية بحدود ضيقة مع الابقاء على مفهوم السلم التعليمي ، حيث أصبحت إمكانية الانتقال ممكنة من فرع تعليمي لآخر، ومن سنة إلى أخرى لا تليها مباشرة، والخروج من الجامعة والعودة إليها، وإصلاح نظام البكالوريا، وتنظيم التعليم في أسلاكه الجديدة المعروفة، والأخذ بمفهوم الكفايات في التدريس، إلى غير ذلك من تجديدات النظام التعليمي، مدعاةَ توطين منظومة حقوق الإنسان في نظامنا التعليمي.
ونحن نعتقد في أن تحديث النظام التعليمي المغربي هو تطور نحو حقوق الإنسان، من حيث تحميله حسب الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعلنة في الكتاب الأبيض[18]، القيم الإسلامية والإنسانية الكبرى والمبادئ الكونية، كقيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والتكافل والتضامن والتعاون والتآزر والتآخي والتعاضد والتلاحم الاجتماعي، والتراحم الرحمي والمجتمعي، والشورى والمشورة، وحرية الرأي، وتفهم الرأي المخالف، والتناصح في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورعاية الفقير واليتيم والمسكين وغيرها من القيم الإسلامية والإنسانية. لتجاوز ( بعض المبادئ التي سيطرت على حياتنا منذ تخلف المجتمع العربي الإسلامي وبيان محاذيرها ومخاطرها. وعلى رأس هذه المبادئ السلبية المعطلة لمسيرة التقدم أمور كالتالية: سيطرة روح المحافظة ورفض التغيير والتجديد، ذيوع روح العصبية والتعصب، ضعف النظرة المستقبلية وسيطرة النزعة الماضوية، الاستسلام وروح التواكل والخنوع وضعف روح المبادرة والتحدي للصعاب)[19]. فطبيعة النظام التعليمي إذن مدخل من مداخل حقوق الإنسان إن حمل بها، وعمل بها، وترجمها في ذاته، وأعلن عن مبادئها وأسسها بصراحة، كما هو معلن في الكتاب الأبيض بعيدا عن الحكم عن أجرأتها في الميدان التعليمي، خاصة في الكتب المدرسية. وأما ما يتعلق منها بالقوانين وغيرها فقد أشرنا إليه سابقا، فذلك كله يوطن المبادئ والأسس الحقوقية عند المتعلم خاصة والإنسان المغربي عامة، من منطلق متعلم اليوم رجل الغد.
8.1.1. مدخل الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان في الفضاء المدرسي:
أخطر ما في حقوق الإنسان ممارسة هذه الحقوق. فإن مورست بآليات وأساليب غير سليمة، وغير معقلنة، وغير هادفة، انهد صرحها من الداخل، وتحولت إلى نقيضها. لكن في المقابل يمكن الاستفادة من عثرتها هذه، بتطوير الآليات والأساليب بما يفضي إلى ممارسة سليمة لها. مما يشير إلى خطرة الممارسة الحقوقية في التعليم، لأنها انطباع لدى المتعلم، وتمثل لما يمارس في الواقع. فتفعيل حقوق الإنسان مرتبط طرديا بمستوى ممارسة هذه الحقوق في واقع المدرسة والمتعلم.
فالفضاء المدرسي متعدد المتدخلين. ومنه تعددت الممارسة فيه. مما جعلها تفرز تناقضات واختلالات كبرى في هذا الفضاء. ووجدنا النقيضين في آن واحد. فالتعاون مثلا من قيم الديمقراطية الذي تبثه المؤسسة التعليمية في ناشئتها، نجده قائما في أحد المتدخلين، ونجد في نفس الوقت طرفا متدخلا لا يبدي أي تعاون نحو الطرف المتعاون. ونطالب المتعلم بالتعاون؛ وهو يلمس مباشرة اللاتعاون القائم في الفضاء المدرسي. ومن المبادئ الديمقراطية خضوع الأقلية للأغلبية. فنجد العكس خضوع الأغلبية لرأي الأقلية، لوجود الأقلية في مركز داعم لرأيها ؟!... وهكذا تتكسر الديمقراطية على أرضية الممارسة، ولا يحصل الاقتناع بجدواها في الحياة الخاصة، ولا في الحياة العامة. ومن ثمة تكون الممارسة الفعلية غير السليمة للديمقراطية داخل الفضاء المدرسي أحد معاول هدمها. وقس على هذا مجمل الحقوق والواجبات...
ومن الممكن أن نجعل الممارسة الفعلية في الفضاء المدرسي أحد عوامل بناء حقوق الإنسان، من حيث كونها الحياة النابضة بروحها، المقدرة لمسؤولياتها اتجاه الناشئ. والعارفة أن خير تربية هي القدوة. فإن كانت واعية بدور القدوة في تربية المتعلم على حقوق الإنسان، فإنها ستمارسها بطريقة سليمة ـ ولو لم يكن الجانب النظري سليما في برمجته، وتعتريه الثغرات ـ حتى تربيه عمليا عليها، وبالملموس من الأحداث والأداءات. ويمكن تضمين الممارسة الفعلية قيم ومبادئ وأسس ومفاهيم ومعارف ومعلومات هذه الحقوق، وإن كانت غائبة عن أحد مداخلها. فدائما الإنسان يقدر العملي والملموس على الأرض، ولا يهتم كثيرا بالنظري لأنه يرى لا منفعة فيه. وإن كان للنظري قيمته في تأطير العملي. لأن البعض يقول: ماذا تنفعني مناداتك بالمساواة والعدل، وأنت لا تمارسه مع متعلميك ؟! فيبقى مجرد كلام في فراغ يضر أكثر مما ينفع. فهو خارج عن نطاق مدلوله المعجمي فبالأحرى مدلوله الحقوقي والاجتماعي.
فالفضاء المدرسي متنوع من ناحية الممارسة والأداء. لذا وجب على المتدخلين فيه التنسيق فيما بينهم، وإيجاد أرضية مشتركة في إنجاح المنظومة الحقوقية فيه، عبر ممارستها فيما بينهم أولا، ثم مع المستفيدين من خدمة المدرسة. حتى يمكن لهذا الفضاء أداء دوره على الوجه المطلوب تربويا وتعليميا واجتماعيا، وقانونيا...
وأخال الوزارة تحث على الممارسة من خلال عديد مذكراتها ومنشوراتها فيما يخص تفعيل ثقافة حقوق الإنسان، ولا يعزب عن هذه المداخلة التذكير بما أصدرته اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والمواطنة من كتب ودلائل تدريسية خاصة بحقوق الإنسان، مع نكران ذاتها بإخفاء أسماء مؤلفيها والمشتغلين عليها، فهم جنود الخفاء... ونحن نثمن ذلك لصالح المتعلم المغربي، ولصالح ثقافة حقوق الإنسان، ولصالح المنظومة التعليمية التربوية المغربية، ولصالح الفكر المغربي...
2 ـ البعد الخارجي:
مداخل هذا البعد إلى منظومة حقوق الإنسان متعددة ومتشعبة، مقاربتها محفوفة بالمخاطر والمنزلقات الفكرية والمنهجية والموضوعية، تستهوي البحث الإمبريقي للوقوف على حقيقتها علميا. لكني سأقارب مدخلين اثنين منها مقاربة سوسيولوجية ذات العمق السيميوطيقي، وهما المدخل الثقافي و المدخل الاجتماعي.
1.2. المدخل الثقافي:
فبعيدا عن سجالات التعريف الاصطلاحي للثقافة، أعتقد بأنها مكون من مكونات الهوية الفردية للفرد، والهوية الجماعية للجماعة الإنسانية، تموقعهما في خانة معينة. وتعمل في تشكلهما وَفْق مضمونها، وأثناء التشكل يقع التفاعل بين الذات والموضوع، فتنبثق عنه حمولات نظرية تترجم في معتقدات معينة، تؤدي إلى ممارسات عملية، تترجم في سلوكات وتصرفات معبرة عن المعتقدات. ومن ثم كان للثقافة، بما هي مكون من مكونات الهوية دورها الخطير، في تأسيس ودعم حقوق الإنسان لدى الفرد والجماعة على حد سواء. فهي بذلك تشكل مدرسة أخرى موازية للمدرسة التربوية التعليمية في توطين منظومة حقوق الإنسان لدى المتعلم. فهذا المتعلم إن كانت ثقافته الجماعية حاضنة لحقوق الإنسان، متشبعة بها، عاملة بمقتضاها، ناشرة لها بين أفراد جماعته؛ أدت إلى توطينها لديه، وإشباعه بها، مستدمجة إياها في بنية شخصيته الذاتية. ملتحمة مع كيانه الوجودي، من الوجود المادي والمعنوي. فتؤدي بذلك إلى انسجام البعد الداخلي التربوي مع البعد الخارجي التثقيفي. مما ينتج تكاملا بين الثقافة والتعليم، ويعطي لمنظومة حقوق الإنسان قيمتها الثقافية التداولية بين أفراد الجماعة الإنسانية التي ينتمي إليها المتعلم، فتتماهى ثقافته الخاصة بماهية ثقافة جماعته، فيتحدث لغة حقوقية واحدة، وينهج منهجا مناسبا لها، ومنسجما مع منهج الجماعة... إلى آخره، فيخلق منه كل ذلك مواطنا متكامل في شخصيته، لا يتناقض فيها النظري مع العملي، والقول مع الفعل. غير أنه إن كانت الثقافة غير حاضنة لحقوق الإنسان؛ حصل عكس ما مر بنا من قول. وانفصمت شخصية المتعلم ما بين حقوق الإنسان التي تدعوه إليها المدرسة، وإلى لا حقوق الإنسان التي تدعوه إليها ثقافته. فيحصل بذلك الشرخ ما بين البعد الداخلي التربوي والبعد الخارجي التثقيفي لمنظومة حقوق الإنسان، فتفقد قيمتها الثقافية التداولية.
والثقافة مرجع أساسي لحقوق الإنسان، لأنها تجسد تلك الحقوق في نصوص معينة، يتداولها الفرد والجماعة، ويستقي منها البرنامج حوامل مضامين تلك الحقوق، ويبرمجها مناشط للتعلم. فكانت بذلك وسيطا خطيرا في تأثيث حقوق الإنسان لدى القارئ، والمتعلم، والمثثاقف...
وثقافتنا الإسلامية العربية الأمازيغية كلها ثقافة حقوق الإنسان، جاء عليها حين من الدهر الاستعماري، عمل على طمسها، وإعادة تشكيلها وفق منظور الخنوع والاستكانة، لكن بفعل المقاومة ظهرت من جديد في صيغ عديدة، تدعونا إلى النهل منها. وما كان من المنظومة التربوية إلا أن تحييها في مناهجها وقوانينها ونظامها وآلياتها وسترجاتها؛ لعلها تبلغ بها مطمح المغاربة جمعاء...
2.2. المدخل الاجتماعي:
وهو هنا كسابقه لن يعنيني تحديده الاصطلاحي، بقدر ما يعنيني منه البعد التفاعلي والممارساتي لحقوق الإنسان في المجتمع، من حيث أن هذا البعد يؤثر مباشرة على البعد التربوي لتلك الحقوق. فإذا كانت حقوق الإنسان متداولة اجتماعيا بين الجماعة الإنسانية كانت لها قيمتها التداولية الفعلية، التي تحول إلى قيم نفعية مادية ومعنوية واعتبارية. والعكس صحيح. وسأضرب لذلك مثلا: فالمتعلم الذي يجد نفسه في مجتمع يتداول حق التمدرس واقعيا، بتخصيص الدولة له مقعدا في المدرسة، يقتنع بهذا الحق، ويتمسك به، ويتحول لديه إلى منفعة تتمثل في حدها الأدني في التعلم والتأهيل الإجتماعي للاندماج في المجتمع. بينما حين نرفع شعار حق التمدرس، ولا يجد المتعلم مقعدا له في المدرسة؛ فهذا الحق يفقد قيمته الاجتماعية التداولية، ويصبح حبرا على ورق لا يومن به ذلك المتعلم. فيضيع بذلك العائد النفعي من الحق، ويفرغ من مضمونه الحقوقي.
فالمدخل الاجتماعي لحقوق الإنسان في منحى التداول يعمل عمل الثقافة في هذه الحقول. لهذا نجد الدولة كبعد خارجي لمنظومة القيم، تؤسس لثقافة حقوق الإنسان وتوطنها في مواطينها عبر مؤسساتها الرسمية، مدعمة بمؤسسات المجتمع المدني؛ حتى لا يجد المواطن عامة والمتعلم خاصة الفارق بين التنظير والممارسة لهذه الحقوق، ففتحت ملفاتها المتعلقة بهذا الموضوع على مؤسسات متخصصة فيه، وأنشأت لذلك محافل ومنابر للتوعية بأهمية حضور حقوق الإنسان في المجتمع، لأنها المدخل الحقيقي للتنمية البشرية والحجرية. ومن ثم كانت نغمة وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي منسجمة في عمقها مع المدخل الاجتماعي المعلن عنه من قبل الدولة والمجتمع على حد سواء، حيث نتمنى له التطور نحو الأفضل. إلا أن الإشارة تبقى واجبة إلى أن هذا البعد التداولي الاجتماعي لحقوق الإنسان، تظل ممارسته تتفاوت حسب القناعات ومراجعها الثقافية والدينية والسياسية والايديولوجية والاقتصادية والمجتمعية، وحسب الحماس إليها...

خاتمة:
تلكم مقاربة لحقوق الإنسان في المنظومة التربوية، أفصحت بالإشارة إلى مواطن تفعيل حقوق الإنسان في الفضاء المدرسي، واللاتفعيل لها، حينما تتحول إلى نقيض ذاتها في ذاتها، لامستها في عجالة لا أعتقد بفعاليتها في نشاز بينها، وفي غياب تفاعلها مع نفسها ومع خارجها. فهي مكونات من مكونات نسق الفضاء المدرسي، الذي هو بنفسه مكون من مكونات النسق الاجتماعي. فلا حقوق إنسان في نسق غير متكامل في نفسه ومع غيره. وحامل لنقيض ذاته في ذاته...
وتبقى حقوق الإنسان سلعة في سوق المجتمع، تتداول بين الناس والمؤسسات في الحياة الخاصة والعامة. قيمتها تنبع من نفعها، وضرورة وجودها بوجهيها النظري والعملي، في النسق الاجتماعي حتمية حضارية عصرية؛ تفقد قيمتها في السوق عندما يبخسها الناس، وتحال على الترف الفكري في غياب التطبيق؛ فتصير بذلك عملة غير قابلة للصرف في مصارف حياة الناس. وتؤدي إلى الكساد والبوار ثم الإفلاس. بل إلى الظلم والظلم ظلمات تذهب بالعمران والإنسان...
وتبقى وزارتنا هي مدخل توطين هذه الحقوق في الناشئة، وهي جديرة بذلك التكليف، وحقيقة به، والله معين أهلها على أداء هذه الرسالة الحضارية النبيلة.
عبد العزيز قريش
المفتش التربوي للتعليم الابتدائي
نيابة تاونات
زنقة:21 رقم: 101 الطابق الثاني
حي واد فاس ـ عين قادوس
فاس ـ 30100
مسرد المراجع
1ـ لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، مراجعة المناهج التربوية، الكتاب الأبيض، رمضان1422/ نونبر2001، مطبوع.
2 ـ Piaget, J.; Les mécanismes perceptifs; PUF; Paris; 1975 .
3 ـ د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي،عالم الفكر،وزارة الإعلام،الكويت،1993،المجلد:22،العدد:2.
4 ـ د. عمر بشير الطويبي، التدريس والصحة النفسية للتلميذ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتة، ليبيا، 1401/1992.
5 ـ د. محمد أديوان، دينامية الجماعة التربوية؛ جماعة القسم، مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، السنة:5، العدد:1.
6 ـ د. إمام عبد الفتاح إمام، مسيرة الديمقراطية؛ رؤية فلسفية، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، 1993، المجلد: 22، العدد: 2.
7 ـ د. عبد الله عبد الدائم، دور التربية العربية في بناء القيم الإنسانية، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، مصر، 1993، العدد: 76.


[1] لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، مراجعة المناهج التربوية، الكتاب الأبيض، رمضان1422/ نونبر2001، مطبوع، ص.:5.
[2] نفسه، ص.:6.
[3] نفسه، ص.:6.
[4] نفسه، ص.:6.
[5] نفسه، ص.ص.:22 ـ 23 .
[6] الكتاب الأبيض، مرجع سابق، ص.:23.
[7] انظر هذا في : Piaget, J.; Les mécanismes perceptifs; PUF; Paris; 1975.
[8] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي،عالم الفكر،وزارة الإعلام،الكويت،1993،المجلد:22،العدد:2،ص.ص.:116 ـ 132.

[9] د. عمر بشير الطويبي، التدريس والصحة النفسية للتلميذ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتة، ليبيا، 1401/1992، ص.:62.
[10] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق، ص.ص.:116 ـ 132.
[11] د. محمد أديوان، دينامية الجماعة التربوية؛ جماعة القسم، مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، السنة:5، العدد:10، ص.ص.: 53 ـ 76.
[12] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق، ص.ص.:116 ـ 132.
[13]د. إمام عبد الفتاح إمام، مسيرة الديمقراطية؛ رؤية فلسفية، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، 1993، المجلد: 22، العدد: 2، ص.ص.: 6 ـ 49.
[14] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق، ص.ص.:116 ـ 132.
[15] نفسه.
[16]د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق، ص.ص.:116 ـ 132.
[17] نفسه.
[18] يراجع في هذا الشأن الكتاب الأبيض، مرجع سابق، ص. ص.: 5 ـ 13.
[19] د. عبد الله عبد الدائم، دور التربية العربية في بناء القيم الإنسانية، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، القاهرة، مصر، 1993، العدد: 76، ص.ص.: 62 ـ 75.
بسم الله الرحمان الرحيم






خاطرة




سألت نفسي افتراضا


رؤية:





عبد العزيز قريش







فاس في:19/05/2003













سألت نفسي افتراضا:لماذا لا تقرئين أيتها النفس العربية؟!وأنت تدعين أنك أهل القراءة!ومن سلالة القراء!لما تزعمين:أن لك مرجعية داعية مغرية حاثة على القراءة؛حيث في البدء كان الكلمة.والكلمة فعل أمر باقرأ منذ أن قال المقرئ:ما أنا بقارئ!بل قلت:أنك عين القراءة وذاتها لكل شيء ناطق في هذا الكون!حينها أحالتني في احتشام وحسرة شديدين على قضايا القراءة والإقراء.الموضوع السوسيولوجي المعقد في الذات.فقالت وهي مرتبكة في وجهي:عندما ولدت كان بيدي كتاب يحمل عقلا وقلبا وأفقا،يأمر نفسي بالقراءة لأنها أول طلب الرب مني:اقرأ،والقراءة حياة من المهد إلى اللحد،والحياة حركة وجهد وفعل وآفاق تتسع في المدى الممتد في الوجود.ولكن عندما طال الأمد واستبد الزمن وبعثت من ذاتي أشباه المخلوقات والظل،ضاع مني الكتاب،ومات العقل والقلب،وانسد الأفق بسحاب الحلم المتدفق من هدير الوعود.فكانت القراءة آخر ما طلبت مني الإيديولوجية التنظيمية النظرية العملية أن أفعل!وصادرت مني القراءة للخصخصة والتميز،وأصدرت في حق القراءة مذكرة وزارية للمنع من التداول بين طلاب القراءة.وأصدرت في حق ذاتها صكا سوسيولوجيا سمته الجهل الرسمي المنظم تشريعيا بفسيفساء القوانين والأجزاء والأبواب والمواد وأرقامها والحروف النتنة الوسخة للتداول اجتماعيا.فلم تمنحني هذه اللوحة المتقادمة،وهذا الجهل إذنا بالدخول إلى فعل القراءة!وحتى الوقوف بباب الجامعة حرمتني.أنت:ما بك وفعل القراءة؟واكتفت بإبقائي في أحسن الأحوال في فعل الإقراء؛فأقرأتني والجهل تركيب الأبواب وتقنيات الإغلاق والفتح متى شاءت ذلك وفق الطلب الوارد من شقيقها،ووفق نوعية الطالب المحمول بالهدايا المسروقة من متاحف الجيوب المثقوبة،وحجم المطلوب أهو كرسي في الجامعة أم في المعهد أم في المدرسة أم في الورشة!؟فأصبح بتلك السلاسل والمتاريس الممتدة من باب البيت إلى باب الشغل وضعي السوسيولوجي ثقافة جهل وتجهيل،ناطقة بالألف،صامتة بالياء.أسكن سراديبها ونخاعها الخارق في الشرود من أول حرف من اسمي إلى آخر حرف منه،حيث أنشر فيه كياني على مدى أول قطرة مداد إلى آخرها علقت بكراسة جهلي.فأسست ثقافة الجهل في ضميري،وفي اللاشعوري مسوغات الجهل من أن الوجود متمركز في الشرب والأكل والسياحة والضيعات والبراميل والأرصدة في بنوك النهب.لا في فعل القراءة!وأوحت لي اجتماعيا لأستسيغها في كياني الممتد من أصلي إلى فرعي.ثم منحتني درجة الشرف لتسويقي ـ وبمحض إرادتي ـ مبررات وجودها في ذاتي،وفي كتاباتي،وحتى همسي لذات الوجود المنكمشة الصريحة المعلنة في خوض براثن المعيش اليومي،المنشغل بالبحث في قمامات الأزبال عن رمق الحياة ولقمة العيش الملفوف بالهرطقة والثرثرة على أني سيد القوم حين أنبش في الجيوب والصناديق والفاتورات،وأزور كل الأرقام.وكأن هذه الحياة حيوان تعمق في ذاتي البيولوجية وتجذر بالعروق في المفاصل والركب.أحارب من أجلها كل الأقوال والسياسات لتحقيق الصراع الدارويني الآكل للحم والعشب،السارق للبقع الأرضية المجهزة وغير المجهزة المحمولة في الملفات والتصاميم للبيع والسمسرة لا للهبة والمساعدة الاجتماعية المصرح بها في مخطط الوزارة.الصراع المالتوسي الممتلئ بصدإ الفردانية النفعية البيولوجية المتفردة في الذات والصفات،والوحيدة في اللاقراءة،المتميزة المتمايزة بالإقراء الإيديولوجي الديماغوجي الغارق في:(سير و جي و دهن السير).
فالاشتغال بالمعيش اليومي ـ والحمد لله عليه كثيرا وكثيرا ـ أسس لي منظومة ثقافة جديدة محت فعل القراءة من قاموسي اللغوي والعملي.وماهتني والبهيمية العجماء بالتطابق التماثلي المحوري،من حيث أنا حيوان والحيوان أنا،وجردتني من النطق حين قالت:أنت حيوان وحيوان فقط وليس حيوانا ناطقا.فهي اعترفت بنفسها من خلال نفسي بنزعها مني فعل القراءة والتداول القرائي قانونيا بمذكرات رسمية وضمنية وبمراسيم سوسيولوجية مؤطرة بالرقابة الذاتية المهزومة بالتنقيب عن المعيش اليومي من الفجر إلى العشاء.مسكونا بالسهر إلى الصبح!وتركته فعلا قرائيا لمن حياته خارجة ومتمردة على قوس الخبز والموت.فأنا الموجود بيولوجيا والذات الحيوانية الساكنة الراقدة الآسنة،وإن كنت جاهلا جهلا بسيطا فإن وضعي السوسيولوجي جاهل جهلا مركبا؛صورة طبق الأصل من ثقافة الخبز والجهل مصادق عليها بإمضاءات الإيديولوجية النادرة والشاذة في الوجود.المفتقدة للند والنظير والشبيه في عالم من يستحي من الذات والنفس:أن يعلن في الملإ أنه قارئ من الأصل والفصل.وحاله يقول بلسان الصدق:ما أنا بقارئ؟!وهي تقول:اقرأ.ويجيب ماذا وما سأقرأ؟فترد عن سؤاله متعجبة مستفهمة:اقرأ كل شئ غير القراءة؟!...
فالقراءة في عرفنا نحن النخبة المشرعة فعل،والفعل يضر بنا،لأنه يسائلنا ويزاحمنا،ومن على الكرسي يسقطنا، فيميتنا.أما الجهل فيريحنا،ويعلي بنا نحن سادة الجهل والخبز والمخفر،لأننا نعرف الحروف والكلمات والجمل والقصائد والإيديولوجيات،وفن المعمار البشري المرمم بامرأة تسكب خصرها بين الفخذين وتحلم بالذي كان بين الشفتين والنهدين.وهم يجهلون كل هذا بفعل الإقراء،والإقراء فيه نسوقهم فينقادون لنا بخيوط الوهم والشعار المرفوع فوق الإيديولوجية الديماغوجية،وبسياسة القهر والتجويع،والحفر والدفن.وإن سألناهم أمامكم:...؟صاحوا بالصوت الموشح بأهازيج الفرح:أنتم أسيادنا،علماؤنا،مثقفونا،نخبتنا.قودونا حيث ثقافة الجهل تسكن ربوع سوسيولوجيتنا النابعة من الغياب،السائرة إلى الغياب،الغارقة في الغياب...المتطلعة للغياب بالغياب بعد الغياب...سمفونية الغياب نتوارثها بالتناوب عن الغياب بألحان الغياب المرقنة بالمرسوم الوزاري المانع لفعل القراءة المحتضن لفعل الإقراء،والملحنة بأنغام المذكرات الوزارية المتداولة بالانتخاب الفائز قبل الانتخاب.يمنع بموجبها عليكم التطلع لفعل القراءة والكراسة والوعي.فلا ضير عليكم أيها الأسياد من نشر الخبر في مداد الصحف بأن فعل القراءة سحب من التداول بالتقادم.فأنتم لستم في حاجة للقراءة والوعي والند والحق.فتكفينا يا سادتنا قراءتكم،فهي تغطي مساحات هذا الوطن من الجهات الأربع،وتحصنه من زوابع المركز،وتلفه بسياج الهرج والمرج الوارد من الصراع على الخبز.التارك لكم كل الخيرات والنعم غير فعل الوجود.فأنتم بقراءتكم تلك،وبجهلنا هذا،فنحن وجهان لعملة التخلف الجاثمة على صدر هذا الوطن الشاحب المستغيث بفعل القراءة.لكن هل من مجيب حصيف الرأي؟قارئ للفنجان من واقع الحال؟...
ناقشت نفسي افتراضا،ما الأسباب؟قالت:دائرة تتسع كل يوم نحو المحيط يتمركزها الجهل،وأطرافها مصالح فردية ولعاب يسيل ذوبانا عليها،وأيادي كثر ممتدة إليها،وصراخ وعويل وصراع من أجلها.وخارج قرصها المظلم سكنت المصلحة العامة أحراش جبروتها وطغيانها؛ولعنت حظها البئيس الذي تعيشه في كنف زمن حضر ليرقى سلم السقوط...في المركز إيديولوجية متقادمة،هرمة،مترهلة،شاخت،لا تكاد تنهض بنفسها فبالأحرى بغيرها.غير أن في عرفها أرقاما وأسماء للتصويت.تناديها حين يحن الفعل للإقراء،ورفع اليد في الضريح؛بأنني حضرت هنا وإن كنت جئت من هناك،أحمل البشرى للمرعى،بأن الحشائش تتزكى...وفي الأطراف بهيمية عشبية لحمية قارتة برمائية برجوية مائجوية تهضم الأبعاد كلها،وتقص الأوساط كلها،وتفني الحياة وتفنى غائبة عن الحضور والوجود والتاريخ.منها التاريخ ينسحب،ويسحب بطاقة تعريفه منها.وفيها يلعن وجودها ويتنكر من زواجه بالساعة التي أنجبت بهيمية الإنسان الغائب عن فعل القراءة،الظان بالوجود في اللاوجود،المحترف للأكل والنوم والنسل،المحنط في الذات،المغفل الغافل في الفعل،الحاضر الغائب في الزمن والمكان.الساكن بيت الشعر عند الجرجاني رمزا للسعد:
كبر على العلم يا خـليلي ومـل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدا فالسعد في طالع البهـائـم
...وفي الخارج تقبع المصلحة العامة تئن المسكينة المنبوذة تحت ضغط المركز والأطراف وتشنجاتهما وإكراهاتهما المدمرة لجسدها النحيف الضعيف المتآكل بالحفر والنبش والخدش،الهش أصلا في ضميرها الميت المعدوم،الغائب الغائر في اللاوجود.وتستنجد المسكينة بالقراءة لعلها تفتح ثغرة أو شقا في جبهتها الإسمنتية المسلحة،الملغومة بألف تهمة لمن تجرأ أن يشير إليها ولو رمزا فبالأحرى تصريحا.لتدخل منها الدائرة وتحاول أن تمركز القراءة في مركزها وتمحور الوجود حولها دائرا أينما دارت.وسائرا في سيرها الذي يعلي البنان في الأنام،وليمتص الماء الآسن الراكد من حولها مرشحا إياه من الطفيليات التي نبتت من المعيش اليومي،ومن الرغيف اليومي.وسحقت هامة الوجود بتغيير وتحريف وتزوير قاموس الأهداف والقيم...لتدخل منها الدائرة ثانية،فترجع الفعل من الإقراء إلى القراءة بتصريفه في كل الأزمنة،مخالفة به فعل الصرف في الأمر دون الماضي والحاضر والمستقبل الذي كرسته الإيديولوجية النخبوية والسواد المعيشي اليومي الخارق في الحمل لا الوعي.فتعود القراءة هوية بالحتم والأصل الممتد إلى الفروع والأغصان والأوراق والثمار،والهوية عنده منذ البداية فعل أمر يقال له:اقرأ؟وجوابه منذ الصحوة:ما أنا بقارئ!والرد في الصحوة والكينونة:(اقرأ باسم ربك الذي خلق.خلق الإنسان من علق.اقرأ وربك الأكرم.الذي علم بالقلم.علم الإنسان ما لم يعلم...)وتستمر القراءة لأنها كلمة،(والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.هذا كان في البدء عند الله.كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان...)حيث كن فيكون كلمة الرب منذ الأزل واردة على الموجود من فعل القراءة.لأنها السلطان النافذ في الكون والإنسان،المخاطب بالاسم والصفة والعين:(إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا.لا تنفذون إلا بسلطان).والسلطان فعل القراءة،والقراءة فعل الوعي،والوعي فعل الوجود،والوجود نور يضئ ظلمة العباد والبلاد.يسلك الفجاج والصعاب.ويمهد السبيل للارتقاء ويمحي الغثاء عن السيل.
سألت نفسي افتراضا:وما القراءة والناس لا يقرؤون؟ردت مبتسمة:القراءة من وهج الحروف تجذرت قافا وراء وهمزة تزين القاموس منذ وعت أن الحروف فيها تجمع وترصع وتحفظ ... ومنذ وعت أن القاف قرار،والقرار فعل،والفعل قوة،والقوة قول وقتال...منذ وعت أن الراء رقي عبر مدارج الروح والجسد،ورمح يخترق اللجج من الفجر إلى الفجر،ومن الحجر إلى الحجر ساكبا رحى البحث في رقاق الدماغ والكراسة والدفتر...منذ وعت أن الهمزة إباء وشموخ بين الأرض والقمر،بين النهر والبحر يمتص المدى البازغ من الشمس،المنبسط على الخريطة،المنتصب إله السيل والزبد والخشاش...منذ وعت أن القراءة صدر رحب للوجود والعدم.في ثديها لبن للمقتدر والحائر،يمتص كل منهما رحيق الحلم من فعل القراءة أو الإقراء.من فعل الإيجاد أو الإعدام،ويختار من بين البناء والهدم حروف القراءة أو الإقراء...وأما الناس لا يقرؤون،فتلك نقطة البداية للغثاء الثاغي من الثغية المحمولة في الركد وراء الخبز والماء...وراء الدواء والدار...وراء المنجل والقلم...وراء عقد الازدياد والاسم...وراء الحلم المارق بأن الغد آت من الصبح في الصندوق المرقم بالأصوات الساكتة الساكنة المسكونة بالقصر والسيارة والجسد الطري المعقوف إلى الأسفل،المحفور في الوسط بالشق،المعمور بالماء المسكوب المقطر.المحفوف باللمس والغمز،المضروب بأوجاع الفقر والقهر والنبذ...لا يقرؤون،فهم منشغلون غارقون بين الطلب والحلم:أبراج بنيت من الكلمات أسكنوها،ومعامل من نماذج طين على الورق سجلوا عمالا فيها،ومكاتب وهم تدفقوا عليها بورق وجواز سفر سرق منهم الحلم ركابا في سفن تمضي بهم بين موج العرق قاموا مطالبين بالسفر،والسارق ما زال بينهم يحمل بطاقة تعريف استوطنها الواو والزاي والياء والراء ضيعة هو الرقيب فيها،سيد وإن ثبتت الجريمة عليه قيل عفوا:زلة لسان قالها السفيه منا.فهو غاب عن فعل الإقراء حين كنت تخطب فينا...لا يقرؤون،هكذا قالت المادة الأولى من المذكرة الوزارية الأولى الصادرة في الجريدة الوطنية:أن القراءة اختزلت كلها والكتب والمطابع والمداد والأقلام والإفتاء في فعل الإقراء والإقراء ثم والإقراء.والإقراء هو الآخر بالإذن الذي يعطى ولا يعطى.فتلك مادة قانونية موجبة لفعل الإقراء لا القراءة.لذا حرمت وحرمت وحرمت وحرم وحرمت وحرمنا وكل ضمائر الصرف حرمت من الصرف؟!بدعوى المذكرة!التي حملت بقع الخطوط من ثقافة الغثاء والثغاء،ورحل عنها الإمضاء إلى القبر ليسأل عن القراءة:لما المذكرة؟نعم هي للإقراء لا للقراءة!أليس هذه عقيدة الإفراغ؟وسوسيولوجية التهجير من الجهل إلى الجهل؟كيف تمضي على إبقاء الجهل في العباد وأنت راحل عن البلاد؟!أقيل لك كن من معاول سياسة الارتزاق وسوسيولوجية النفاق؟!خدمة أمة أولى لك أم خدمة حفنة من قصب السكر ومن الشمندر؟!كيف تمضي وأنت ماض؟!...لا يقرؤون،لأن همهم المعيش اليومي الذي يتمركز حول الأنا من باب أنا ومن بعدي الطوفان يغرق الكل ويجرفه دوني.وإن تعلق أمري بفراغ يلوكه سفري منذ البداية حتى النهاية؛حيث يقال مات المسكين وهو ميت.إذ الموت في مرتين:مرة حين وجدت ومرة حين مت!ويظل الموت موجودا في المذكرة التي حصرت اسمي وعنواني وعلمي وجيبي في الحشر عند الموكب والاحتفال والتصفيق للزائر من بلاد الحضور،وأدخلتني في لائحة الانتخاب رقما في المعادلة دون إحضاري في الفعل والبناء،بل جعلتني جسرا للنهب والكذب والسرقة والرذائل جميعها في رفع اليد بنعم عند التصويت على الوهم.!...لا يقرؤون،منذ اعتلى الجهل المنبر مخاطبا العقل أني جئتك منقذا من الجهل،رافعا لك الذكر من بين القوم بالتبني قائما على سياسة النقل والغش.فلا ضير عليك اليوم إن خاطبتك صوت فلصوتك صدى يمتصه المدى ويردده حين يصير صدى.فدائما صوتك صدى!...صوت والتصويت من فعل الإقراء سيمنحك بطاقة ناخب غائب عن الفعل.له رقم يتجدد من لائحة لدفتر لمرشح يأتي ويذهب،وأنت باق مصوت!...فلا ضير عليك حين تكون المذكرة تمنع القراءة وترخص الإقراء أنت مضمونها ومستقبلك هدفها وأنت كذلك وسيلتها.فقد جئتك نائبا عنك في رفعها إليك!...لا يقرؤون،لأنهم بكل بساطة لا يرغبون،ولا يرغبون لأنهم يجهلون،ويجهلون لأنهم منشغلون،وشغلهم بسيط يتوزع بين الرغيف والماء،بين الجزر والنعناع،أفواههم من فعل الإقراء نطقت سبابا،وعيونهم من شدة النظر غارت،وأجسامهم من ثقل الهم وهنت،وكراستهم من الإقراء امتلأت وأتخمت حتى مرضت!...
سألت نفسي افتراضا:متى ستظل المذكرة جاثمة على القراءة،مبقية على الإقراء؟أليست الكراسة أطنبت من الغلاف إلى الغلاف؟أليس المداد يشتكي من ضياع في أوراق لا تبني عقلا ولا تؤثث حرفة في الأصابع؟وإنما تنعش جهلا وتوطن قهرا في الموطن!أليس فعل الإقراء هو نفسه وعينه يشتكي غفير المقرئين الذين تقاطروا عليه كالذباب!؟فأصبح لا يدري ما يفعل أمام هذا الكم المهمل!؟فصار جاهلا بفعل الإقراء الذي نظمه بأسطر المذكرة!فهذا الذي توخاه منذ قالت سوسيولوجيته كفانا قراءة،صار اليوم ندا بجهله لجهله.فهما الوجهان للعملة الواحدة المصكوكة في مطابع رفض الواقع بالطرق الملفوفة على الأعناق والأسواق والأرزاق!أليس الجهل من عمق المذكرة يولد احتقانا متفجرا في بقع التدني إلى الأسفل،حيث متى يظل يغذي نقط الزيت في فسيفساء المجتمع الراكد الخامل القابل للانفجار على الكلمة،على الوعد،على السراب؟!إلى متى ستظل المذكرة قابلة للإمضاء والتناوب بين اللاقراءة والإقراء؟!أحتى تسقط آخر ورقة خريف احتشمت أمام الشتاء أم أحتى ينبع من فيضها الارتزاق المسحوق بخرافات الأكل والتآكل والإقصاء؟!...إلى متى سيسيل هذا الجسد هدرا للزمن واللحم والدم،ويسيل هدرا للفكر والتفكر والوعي؟عندما يحل المرتزق بموضوع المذكرة يكتسح السوق بالبضاعة المتقادمة من الفعل وينادي باسم الفعل فيكذب،فيلتف حوله الجهل مهللا مصفقا رافعا الصوت مصوتا في غيبوبة الانتداب للأمر،يتساءل الرحم متلذذا بالحبل السري متى سنظل نكذب ونصدق؟!أليس مداد المذكرة جف لونه حتى شحب وجهه،فصار خطا غير مقروء،وبات يمحى من الجهل بالجهل؟فإلى متى لا تنتفض القراءة على فعل الإقراء؟ويسير المداد سير المثقف القارئ للواقع الفاعل في الفعل،الحاضر في المكان والزمان المنعم بقول الحق،الصادق في الفعل والتغيير لا في المدح والتبجيل والتعظيم لأقوال ماتت في المهد واللحد!...
سألت للمرة الأخيرة نفسي:متى سأبقى ..........................................................................
........................................................................................................................
........................................،فكان الجواب:مادمت في فعل الإقراء لا القراءة!...
عن قراءة فـعل الإقراء
لقارئه:عبد العزيز قريش
الحمد لله وحده

الانتظارات الحولية

بداية سألت نفسي لماذا هذا الوصف للانتظارات؟ وما أصل هذه النسبة؟ فعدت للبداية قائلا لنفسي: لقد عقدت الآمال على ما روجته وزارتي ونقاباتي حول ملفي المطلبي، وتذكرت أني أنتمي لهيأة يقال لها المفتش المشفر بالتربوي الابتدائي أو الثانوي أو التخطيط أو التوجيه أو الاقتصاد، وتذكرت أني أعيش وضعية مأزومة في بنيتها ووظيفتها وتنظيمها وتنظيرها وأجرأتها، في معنوياتها كما في ماديتها، في شروط أدائها كما في مجالها، وتذكرت أني مازلت أعيش خارج التفعيل، وما قيل لي من أدبيات بأني مفتاح الفعل والتفعيل، والبوابة الكبرى لولوج الوزارة إلى عمق أدائها، ومنظار رؤيتها، والقطب في معالجة أزمات تنظيرها.. ما هو إلا حَوْلُ كلام معسول صدقته انتظاراتي الحولية. وانتظرته عبر لقاءات نقابية مارطونية؛ نفسي فيها طويل، وصبري فيها صبر حامل أسفار، وقولي فيها قول محتار، لا يدري أهو حول أم شهر من حول للانتظار؟! فيها جلست مع الوزارة أتعاطى لملفي المطلبي مع نفسي، بعدما جمدت يدي، وكبلت لساني، وحنطت كل اختياراتي.. وقلت عساني أمتد إلى ذاتي بذاتي لعلي أجد ذاتي، فأنت الجهة الرسمية جزء مني على حد قولك أنك من ذاتي، عرفت بكل دقة مشاكلي، وعشت في يوم ما نفس حياتي، فلماذا أخرجت ذاتي من ذاتي؟ ونسيت اليوم همومي. ونزعت مني صفتي؛ فعلا الحول فوق انتظاراتي، وأصبح ربحا للوقت والزمن لحرق المطلب والأمل. فيه أجد نفسي مضطرا أن أقول لنقاباتي: عساك تفكري بي وأنا الذي حملتك فوق أكتافي لبرجك العاجي، فهلا حملت مطلبي محمل الجد، وقررت إحياء اختياراتي، وسطرت أني كم مهمل في فكر وزارتي، فلا الشهر من حول كفاها للخطاب؟ ولا الحول كفاها لانتظاراتي؟ فلاحت الحولية سيرورة الحوار والتنفيذ. فحولنا هذا رمى بنا إلى الحول المقبل لإقبار المطالب بالوقت..
أيها الكاتب العام الفاضل، أيها الأمين العام العزيز، أيها الرئيس الموقر، أنا مازلت في السلم العاشر أنتظر حلا لمشكلتي، أنا المفتش مازلت أنتظر حلا للتعويضات، أنا مازلت أنتظر قانون إطار ينظمني، أنا مازلت أنتظر الاستقلالية الوظيفية لتفعيل دوري، أنا مازلت لم أنتقل منذ تخرجي من المركز، أنا مازلت أنتظر النقل السري لأزور المؤسسة، أنا مازلت أنتظر تعويضات تكاليف المهمات الخارجة عن اختصاصي، أنا مازلت أنتظر.. أنا كثلة من المشاكل المعقدة التي تداولناها في محفل النقابة، وقلنا خيارنا وعي وفكر منفتح وشفافية وديمقراطية وتداول، وانخراط فاعل في الفعل التربوي التعلمي، وإجماع في المطلب والمنتظر والأمل، مصان بالنضال المشروع؛ حده الأدنى قلم يقول لماذا حول وليس شهرا؟ لماذا اللعب على ربح الوقت؟ لماذا الجواب انتظر من يوم لآخر؟ أهي اختياراتنا مع الانتظار أم مع مطالبنا وحقوقنا؟ أين برنامجنا النضالي؟ أحنط لمجرد قول الأدبيات والكلام المعسوم؟! أسئلة كثيرة جوابها في تفعيل البرنامج النضالي واستدعاء اختياراتنا وطاقاتنا، وأجرأتها ميدانيا حتى نسمع الصوت إلى من يهمه الأمر، أننا أطر واعية مثقفة جديرة بتحقيق حقوقها المشروعة، من منطلق موقعها في المنظومة التعليمية التعلمية؛ الذي يحاول البعض تجاهله أو تغطيته، ونعري عن مغالطاته ومراوغاته، ونلجم فاه بأننا أطر فاعلة في المنظومة ومستجداتها.. وإن أراد أدبيات ذلك فلنا من القول ما يطول، وما تعب يديه في تدوينها.
أيها الكاتب العام الفاضل، أيها الأمين العام العزيز، أيها الرئيس الموقر: لقد بلغت منا الحولية حولا كاملا من الانتظار، فلا بأس أن تسمع منا، فنحن لم نعد نتحمل الانتظار حتى لا نصير إلى القرون. ونقول لكم ارفعوا وثيرة النضال. والسلام.
عبد العزيز قريش
المفتش التربوي

Monday, March 13, 2006

الحمد لله وحده






قراءة نقدية في الكتب المدرسية الجديدة

إعداد

عبد العزيز قريش
باحث في علوم التربية

5/10/2004




























مدخل:
الكتاب المدرسي علميا: منطق فلسفي مؤسس على نظرية أو نظريات معينة تحتويه منهجا وبناء ومضمونا، كما أنه منطق سياسي يحتوي فعلا سياسيا يتوخى مخرجات معينة لنسق اجتماعي معين، ومنطق اجتماعي يحتوي نظاما اجتماعيا بأبعاده المختلفة ومستوياته المتنوعة؛ فهو بذلك بناء حضاري يفصح عن مكنون إنسانه وبيئته وفلسفة حياته وبنية عقله وتفكيره وطموحاته، ومن ثم يتجاوز كونه وسيلة تقنية تعليمية في يد المدرس والمدرس تساعد في بناء الدرس إلى كونه رؤية عميقة للكون والذات والحياة، تتشكل منه رؤية الناشئ لهذه الأبعاد الثلاثة ضمن التنشئة الاجتماعية له. لذا تموضع من المنهاج الدراسي موضع القلب من جسم الإنسان، وطلب مراجعة مستمرة عبر النظرية النقدية التي تمدنا بالبدائل النظرية والمنهجية المساعدة على حل مشاكلنا التربوية، والتي تتشكل في الإطار الإيبيستمولوجي. وبذلك يمكن مقاربة الكتاب المدرسي كبناء علمي مؤسس داخل نظرية المنهاج، يستهدف تأسيس كفايات معينة للمتعلم عبر النسق التعليمي المفتوح، وضمن الشروط البيداغوجية؛ والنهج الديداكتيكي المعلن فيه؛ والمادة المدرسية قصد الاندماج الاجتماعي، وكنتاج علمي لنظرية المنهاج.
وضمن توظيف المدرس للكتاب المدرسي؛ تبرز أهمية امتلاكه للنظرية النقدية في مستوى: التساؤل، والدراسة والتحليل، والبناء، والعلاج. وفي المستوى التقني للممارسة النقدية، مما يستدعي تكوينا أساسا يمكن المدرس من النظرية النقدية، ومن ممارستها داخل الأداء الصفي حتى يقارب فعله بأدوات علمية تصحح اختلالاته بما فيها اختلالات الكتاب المدرسي، وما أكثرها في ظل تأليف الكتاب المدرسي خارج نظرية المنهاج.
والنظرية النقدية هي الموضوع المفقود في برامج تكوين المدرسين، وفي جميع مستويات التكوين وأنواعه؛ لذا يصعب على المدرس في كثير من الأحيان مقاربة الكتاب المدرسي نقديا من خلال أدوات معرفية وتقنية وداخل نظريات علمية، محاصرا بسلطة الكتاب المدرسي المستمدة من رسميته. لكنه يمكنه فعل ذلك النقد من خلال التجربة والخبرة الميدانيتين المؤسستين على التراكم الممارساتي، وعلى الحدس التقني الذي امتلكه المدرس من خلال تعامله مع المتعلم والمادة والديداكتيك. غير أن هذا النقد يفتقد إلى الأسس العلمية التي تميز المنهج العلمي عن المنهج غير العلمي،وتميز الحقائق العلمية عن الكلام العام المطلق.
والمدرس بحكم تعاطيه مع الكتاب المدرسي يجد نفسه مقحما في مقاربة ثغراته عن قرب ومعالجة اختلالاته، لأجل بناء درسه وتفهيم تلامذته؛ مستثمرا في ذلك جميع إمكاناته وإن لم تنسجم في عمقها مع مكونات أدائه. غير أنه يظل يحاول وهو من المشكورين في ذلك.
ونحن نعتقد أن النظرية النقدية مكون من مكونات الأداء التدريسي، حيث لا يستقيم إلا بها لعائدها الإيجابي على المردود التعليمي أو ناتج التعلم، وعلى الكتاب المدرسي نفسه. فترى كيف تنطلق الوزارة قبل المدرس من التساؤل إلى الجواب ضمن النظرية النقدية في مقاربة الكتاب المدرسي؟ وكيف تفصح عن اختلالاته؟ وكيف تعالجها؟ لترخص لكتب مدرسية تحت شعار الجودة الواردة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
ونغمة قطاع التربية الوطنية من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي التجديد والتطوير وفقا لفلسفة الميثاق الوطني للتربية والتكوين. والحشد المحتشد من أطرها العظام جندوا أنفسهم ـ جزاهم الله خيرا عن التلاميذ، لخدمة المتعلمين على امتداد الوطن الحبيب. فهم يبذلون الجهود الحثيثة من أجل تحقيق جودة التعليم انطلاقا من جودة النظام التعليمي وبرامجه ومناهجه وكتبه... ولأجله أصدروا كتبا مدرسية جديدة من جميع الألوان والأشكال والأسماء والأحجام؛ تغري الباحث في علوم التربية وفي نظرية المنهاج البحث عن الجديد فيها ديداكتيكيا؟ كما تغري المختص في اللغة العربية وفي باقي العلوم الأخرى البحث عما تمتاز به هذه الكتب عن سابقاتها؟ وما خصائصها التربوية والديداكتيكية والعلمية التي تتمتع بها اتجاه القديم لتحقيق الكفايات المعلن عنها في مقدماتها أو بين ثناياها؟ وما الإضافات العلمية الجديدة التي أدخلتها على برامجها ومضامين كتبها؟
حقيقة إن النغمة لتغري بالتدقيق في هذه البرامج والوقوف على إيجابياتها وسلبياتها، وبيان ذلك للمتعلم وللأستاذ قبل المواطن العادي الذي يرسل ابنه عن حسن نية إلى المؤسسة التعليمية ظنا منه أن ابنه يتلقى علما. فهل يتلقى حقيقة علما؟ أم شبه العلم؟! أم محو الأمية الأبجدية؟
ونحن إذ نتساءل؛ فإننا سنحاسب موضوعية بحثنا حسابا عسيرا بالحجة والدليل الموضوعي والمنطقي على ما يدعي من إيجابيات أو سلبيات لهذه البرامج والكتب المدرسية التي تترجم هذه البرامج إلى مضامين تعليمية أو متن تعليمي جدير بتحقيق الكفايات، ولن ندخل في السجال الفكري حول النظريات التربوية أو الديداكتيكية المأخوذ بها في الكتب المدرسية؛ وإن كنا ونحن أهل الميدان نعرف كيف تألف الكتب المدرسية ومدة التأليف، وكيفية المصادقة عليها. وإنما سنركز بحثنا في إطار النظرية النقدية التي لها الدور الحاسم في تطوير وتجديد العلم ومجالات اشتغاله. ونرجو أن لا يفهم من بحثنا هذا التقليل مما أنجز في الكتب المدرسية أو الطعن فيها بقدر ما نرجو أن يحمل نقدها على وجه الدعوة إلى التصحيح، والمراجعة الدائمة للكتب المدرسية، حتى نستفيد من التجربة السابقة ضمن إطار الكتاب الواحد الوحيد ونسد ثغرات التجربة.
وفي هذا المقال الأول سنركز قراءتنا النقدية على الكتب التالية:
ـ كتابي في اللغة العربية للسنة الأولى ابتدائي.
ـ كتابي في اللغة العربية للسنة الثانية ابتدائي.
ـ في رحاب اللغة العربية للسنة الثانية ابتدائي.
ـ الممتاز في التربية الإسلامية للسنة الثانية ابتدائي.
1) كتابي في اللغة العربية للسنة الأولى ابتدائي:
لاشك أن أية مادة عالمة، لها من المعوقات الذاتية والموضوعية ما يستدعي التدخل المعرفي والديداكتيكي؛ لتحويلها إلى مادة دراسية مستوفية الشروط التربوية والعلمية والديداكتيكية.منسجمة ومعطيات مكونات الفعل التعليمي/التعلمي. فيشتغل عليها التدخل المعرفي (الإبستيمي)موضوعا معرفيا للوقوف على إشكالياتها المعرفية والفلسفية، وعلى تمفصلاتها، وتفصيلاتها، وخصوصياتها، وتفاعلات عناصرها الداخلية، وتفاعلاتها الخارجية بتقاطعاتها مع مختلف المواد العالمة.ويشتغل عليها التدخل الديداكتيكي في مستوى نقلها من مادة عالمة إلى مادة دراسية عبر النقل الديداكتيكي. وفي مستوى الديداكتيكا الخاصة للوقوف على المشاكل المنهجية والشروط التعليمية التي تطرحها كمادة تعليمية، ويوظف هنا التدخل الديداكتيكي علوم التربية وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي ومناهج البحث... .وفي مستوى ديداكتيك كل مكون على حدة في إطار المثلث التعليمي(المتعلم، المدرس، المادة) وما يطرحه من إشكاليات أدائية؛ ويستخدم هنا التدخل الديداكتيكي مختلف العلوم الإنسانية.
ومادة اللغة العربية بجميع مكوناتها لا تشذ عن هذه القاعدة العلمية بل تطرح من المشاكل المعرفية والديداكتيكية والموضوعية ما يستدعي الجهد الجهيد في مقاربتها، وفي توطينها لدى المتعلم توطينا سليما لا يقبل التراجع أو مناقشة أسسه اللغوية الثابتة. وهي بتلك الإشكاليات تقف أمام التعلــيم والتعلم عــائقا إبـستيميا أو ديداكتيكيا أو موضوعيا يدفع المدرس والمتعلم إلى البحث والدراسة. مما يشكل مدخلا ثريا إلى التعليم والتعلم. فترى ما الإشكاليات المعرفية والديداكتيكية التي تتضمنها الكتب المدرسية الجديدة؟ حيث سأتطرق إلى ملاحظات عامة خاصة بهذا الكتاب؛ تجمعت لدي من خلال تصفحي له، في مستوى كتاب المعلم ومستوى كتاب المتعلم، آملا من الإخوة المؤلفين والناشر سعة الصدر والتقبل الموضوعي لهذه الملاحظات التي قصدت منها دفعهم إلى تصحيح مسار كتابهم ليكون عاملا إيجابيا في التدريس لا معوقا رئيسا له.
1 ـ الكتاب مؤلف خارج إطار نظرية لغوية معينة، وخارج إطار نظرية المناهج،لذا يمكن مراجعته في إطار الأسئلة العامة التي طرحتها.
2 ـ اتخاذ الحكي منطلقا رئيسا في مقاربة النصوص، أهمل عمدا شكلها؛ مما يطرح معوقا ديداكتيكيا وبنيويا لدى المتعلم لمقاربة النصوص والأصوات اللغوية العربية.
وهذا الإهمال المقصود يفترض أن يكون المتعلم ملما بالأصوات اللغوية العربية، وملما بالدلالات المختلفة للكلمات والجمل في المستوى المعجمي والوظيفي، وملما كذلك بالمكونات التركيبية والصرفية والإملائية والنسقية للغة العربية حتى يشكل نصوصه اللغوية ضمن المقام والمقال أو في الحد الأدنى ضمن الدال والمدلول بالمفهوم المعجمي لا التركيبي. فإن كان ملما بهذا فلماذا أدرسه الأصوات اللغوية العربية. وإن كان يجهل هذا، وهو المفروض في متعلم الوسط القروي على الخصوص، فغياب الشكل يبقى معوقا أمامه لتعلم الأصوات اللغوية العربية.
والشكل يبقى حتمية بيداغوجية وديداكتيكية للمتعلم حتى يقارب نصوصه، فبدونه لن يستطيع فعل ذلك، خاصة في هذه المرحلة الدراسية من عمره ومن الحياة المدرسية.
3 ـ مفارقة بعض النصوص لمجالها مثل نص: صديق جديد، فمضمونه يفارق مجاله الذي هو الطفل والأسرة.
4 ـ الكتاب لم يغط جميع أصوات الحرف الواحد، فمثلا نجده في أصوات حرف السين لم يغط النص القرائي سوى صوتين هما: س، س. وإن أخذنا الدرس القرائي كاملا بجميع حصصه، فإنه غطا سبعة أصوات من حرف السين دون الأصوات التالية: سًا ، سُ ، سٍِ .
5 ـ النصوص القرائية والتعبيرية تمثل فيها الظاهرة القرائية أو التعبيرية المدروسة نسبة هزيلة ضمن مشتتات كثيرة، ومثال ذلك:أصوات حرف السين في النص القرائي الذي بلغت نسبتها إلى مجموع الأصوات المنطوقة في النص 0،045% باعتبار صوتين لغويين فيه من حرف السين،إذ لدينا 44 صوتا منها أربعة أصوات من حرف السين،وواقعها صوتان فقط. وأما في النص التعبيري الذي ننطلق منه، فإنه يحتوي 13 صوتا من حرف السين تختزل إلى 6 أصوات من مجموع: 167 صوتا منطوقا، بنسبة: 0،035% .ولا يستقيم تدريس الأصوات اللغوية العربية بهذه النسب الهزيلة.بل تعد معوقا.
6 ـ استعمال لغة تجاوزها عمر الطفل الزمني والعقلي، والذي يجب التعامل معه من منطلق علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي.إذ لفظة: توتو لا توجد في المعجم اللغوي لطفل السنة الأولى ابتدائي، وإنما توجد لفظة طائر وربما أسماء معينة لبعض الطيور. وهذه اللفظة توجد في المعجم اللغوي لطفل سنوات:4،3،2.
7 ـ ما مسوغات ومبررات الابتداء بحرف السين التربوية والديداكتيكية والعلمية؟ بمعنى ما مبررات ترتيب الحروف في الكتاب على السياق الواردة فيه؟.
8 ـ الضرورة المنهجية والديداكتيكية تستوجب تقسيط الكتاب المدرسي إلى مراحل دراسية تستهدف كل مرحلة هدفا معينا،وهذا ما لم يفعله كتابنا هذا. وكمثال نأخذ أربعة أشهر الأولى من السنة الدراسية، ونجعل لها تعلم الأصوات اللغوية العربية هدفا، والمرحلة الثانية بناء الكلمات والجمل هدفا لها، والمرحلة الأخيرة بناء النصوص هدفا لها.مما سيسمح لنا بتمرير أنشطة هادفة ومباشرة تحقق الهدف.فالمرحلة الأولى تقتضي تمرير الأصوات اللغوية العربية كحقائق نوعية مركبة من صامت وصائت، غير أنه في الوضع الحالي فإن المنهجية المتبعة تربك الصوت العربي المدروس في نسقية النصوص.
9 ـ لا يمكن إيعاز الفرق بين اللسان الدارجي والفصيح إلى طبيعة النطق بالكلمات ( ص.:6 من كتاب المتعلم )، وإنما كذلك إلى بنية الكلمة نفسها التي تكسرت على عتبة اللسان الدارجي الذي توخى اليسر في التعبير وإنشاء الكلام وفق الاصطلاح اللغوي الضمني فيه، وإلى دلالة الكلمات ووظيفتها في السياق المقامي والمقالي، وإلى التداول اللسني الذي أعطى اللسان الدارجي قيمة السوق المتداول فيه.
وأما النطق المضغوط والسريع فهو سمة لغوية أطلسية، تميز المتداول من اللغة وغير المتداول بصفة مستمرة. ولا يمكن القياس عليه في إيجاد الفرق بين الدارج والفصيح.
10 ـ لم يفصح كتاب المعلم عن شخصية الطفل وإمكانياته ( ص.:7 من كتاب المعلم ).خاصة الطفل المغربي، وإنما راح يعدد عناصر: التشويق والتحفيز والتفتح، وترك الفرصة للمتعلم لمساءلة النصوص وسياقها، وبناء مدلول الكلمات، وقراءتها. وهي عناصر من طبيعة أنشطة التعلم لا من طبيعة المتعلم. وبذلك فإن مضمون هذه الفقرة مفارق لعنوانها.
11 ـ التوثيق في مرجع المعلم، لم يتم على المتعارف عليه لدى الباحثين، إذ في المتن تمت الإشارة مرة واحدة إلى المرجع (ص.:14 من كتاب المعلم) دون ذكر الصفحات التي اعتمدت في استخلاص مضمون وهدف الروائز.
والاعتماد على المراجع الأجنبية لمقاربة اللغة العربية لا يكتمل إلا بالرجوع إلى طبيعة هذه اللغة وخصوصياتها ومميزاتها، ودون إغفال الرجوع إلى المراجع اللغوية العربية.
12 ـ تصفح ديباجة كتاب المعلم ومضمون كتاب المتعلم يعرب عن عدم التنسيق بين المؤلفين، إذ مضمون كتاب المتعلم لم يبن على ديباجة كتاب المعلم لوجود مفارقة بعض النصوص لمجالها كما مر معنا، ولغياب السياق في مقاربة النصوص، والاعتماد فقط على المعيار الصوتي والدلالي انطلاقا من حصص التعبير. والكلام يتحدد مـعناه أو دلالته انطلاقا من السياق وبنية السياق.ولنضرب لذلك مثلا: عدل عن الطريق/عدل في الحكم، فليس المعيار الصوتي والدلالي هما اللذان يبنيان المعنى؛ وإنما السياق بما فيه المقامي والمقالي ضمن بنية الجملة هو الذي ميز بين عدل بمعنى زاغ عن الطريق وعدل بمعنى أنصف.
13 ـ يتناقض المرجع مع نفسه، حيث يقول بالحرف:اعتمدنا في صياغته على بناء منهجي.ينطلق من المعنى إلى الشكل.(ص.:6 من كتاب المعلم).وهذا يناقض قوله الحرفي الآخر:لهذا تحاشينا قصدا.شكل الكلمات شكلا تاما.حتى يتأتى لنا احترام أصول القراءة كعملية تهدف إلى بناء المعنى.وحتى نفسح المجال أمام التلميذ.ليبني معرفته بنفسه؛ ونترك له فرصة مساءلة النصوص وسياقها.قصد بناء مدلول الكلمات.وقراءتها باعتماد المعيار الصوتي والدلالي الذي توفر لديه في حصص التعبير...عوض تقديم نصوص جاهزة على مستوى الشكل.تعفيه من بناء المعنى.(ص.:7 من كتاب المعلم).
ففي قوله الأول تعتقد أن المعنى معطى أساس في النصوص وهذا يفرض أن تكون مشكولة، لننتقل منه إلى الشكل، بينما في القول الثاني فإن الشكل يبني المعنى، ولا يعفى المتعلم من بنائه، مما يدل أننا منهجيا نذهب من الشكل إلى المعنى، وهذا عكس المصرح به.
14 ـ لست في حاجة إلى التذكير بالفرق بين اللغة والكلام. الذي يقع فيه خلط لدى المرجع، ذلك أن النصوص هي كلام على لسان التلميذ حين قراءتها، وبناء هذا الكلام هو اللغة. والكلام الدارج قد لا يقابله شيء من الكلام الفصيح، فحك لو أو حك له، لا يقابله حق له في الفصيح، لأن المعجم اللغوي الدارج غير المعجم اللغوي الفصيح. لاختلاف المعنى من منطقة إلى أخرى. فحك لو في الغرب المغربي يفهم منها حق له، ولن في الوسط الشمالي يفهم منها حك له.
15 ـ مضمون كتاب المتعلم لا يحقق بعض الكفايات، فمثلا: كفاية إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي لم أجد له سؤالا أو طرح إشكالية ما في النص التعبيري أو القرائي الأول. فحبذا لو سئل المتعلم ما حدود حقيقة تكلم العصفور؟، فمجرد الحكي نكون أمام الإخبار،بمعنى أسلوب الخبر يقيد في عمومه المستمع،غير أنه يحركه في استقصاء صحة الخبر،ومناقشة أنواعه المعروفة في علم المعاني.وهذا ما لم يفعله الكتاب.لذا يجب تحريك الحكي نحو الإنشاء حتى نستطيع تكوين الكفاية المذكورة.
16 ـ أين جلست سلمى؟ سؤال يعتقد أنه يحقق مرحلة التوقعات والفرضيات/بناء نص. (ص.:16 من كتاب المعلم).غير أنه لا يحقق ذلك لأنه سؤال مباشر جوابه يقع داخل النص وليس خارجه.مما يجب أن يكون السؤال يطرح جوابا خارج النص حتى نحقق الفقرة(ب)من الصفحة:16.فمثلا:إن سألنا المتعلم، لماذا جلست سلمى إلى المائدة؟ فالجواب سيبني النص المراد، ويدفع المتعلم إلى التفكير في التوقعات والفرضيات. وهذا يدل على عدم التنسيق بين أعضاء الفريق أو تأليف النصوص في غياب قراءة ديباجة كتاب المعلم.
2) كتابي في اللغة العربية للسنة الأولى ابتدائي:
بالنسبة لهذا الكتاب والكتاب الموالي فسوف نقارب فيه المعجم المدرسي بما يفيد شرح الكلمات، حيث يعد البوابة الكبرى التي يدخل منها المتعلم إلى فهم نصوص التعبير والقراءة.
بداية لم يضع هذا الكتاب المدرسي معجما مدرسيا خاصا بما قدمه من نصوص لغوية؛ يشرحها ويبين ما صعب منها بل اكتفى بطرح مقاربة ديداكتيكية ذات اتجاهات ثلاثة كبرى في شرح المفردات. فقد خصص في:
أ ـ درس التعبير: فقرة " أشرح " من مرحلة " أناقش وأفهم " لشرح المفردات الصعبة.
ب ـ درس القراءة: فقرة " أشرح " من مرحلة أفهم وأفكر " لشرح الكلمات المشكلة والصعبة.
وتتجسد تلك الاتجاهات الكبرى فيما يلي:
1 ـ استعمال القاموس اللغوي في الشرح من خلال إيراد سياق مرادف لسياق الكلمة الصعبة أو من خلال الضد.
2 ـ استعمال الدال والمدلول انطلاقا من توظيف السيميولوجيا البصرية من خلال الربط بين الصورة ودلالتها.
3 ـ استعمال أسئلة معينة للوقوف على شرح المفردات.
غير أن الكتاب لم ينجح في ترجمة هذه الاتجاهات النظرية عمليا وإجرائيا في مقاربة الشرح ولم يستطع تطبيقها على الوجه الذي تصوره حسب ما يبدو. وذلك للأسباب التالية ـ ولغيرها يطول المقال بذكرها وهي غير مقصودة عندنا ـ :
· لم يستطع إيراد السياقات المرادفة لسياقات الكلمات الصعبة بل تحولت لديه إلى تركيب المفردة في جملة مفيدة يغيب عنها وفيها مرادف أو شرح الكلمة المعنية سواء شرحا معجميا أو سياقيا. وهذا نلمسه في أكثر من موقع. ففي الصفحة 29 من كتاب المتعلم نجده يركب فعل: " اقترح " في جملة مفيدة بدل إيراد شرحها في سياق لغوي مرادف ومماثل. حيث في فقرة : "أشرح " من مرحلة: " أفهم وأفكر " شرح أقترح ب : " أقترح على أصدقائي أن نقوم برحلة مدرسية " وهو السياق نفسه الذي يوجد في نص القراءة: " أنشأنا مكتبة "، القائل : " اقترح ] نجيب [ على تلاميذ قسمه أن ينشئوا مكتبة " . وقد غاب عنه المرادف والشرح لفعل " اقترح ". فالكتاب المدرسي هنا ـ كما هو واضح ـ ركب الفعل في جملة مفيدة ولم يشرحه. مما نلمس عدم تحرك المعجم المدرسي نحو مرادفات وشروحات جديدة لـ " اقترح " ولم يراكم المفردات كما ونوعا إغناء لمدخلاته. ولم يؤد إلى التطور اللغوي عند المتعلم بمعنى اطلاع المتعلم على سيمات أو معانم جديدة تقع خارج تقاطع الترادف وأخرى تقع في هذا التقاطع. والشيء نفسه وقع في الصفحة 37 من نفس الكتاب حيث تعامل المؤلف نفس التعامل مع الكلمات والمفردات التالية: " يسلينا ـ راقني ـ يقترض " ...
· سيميولوجيا النص المكتوب تفرض من الناحية الديداكتيكية والبيداغوجية أن يتضمن النص مؤشرات الشرح بإيراد بعض معانم أو سيمات أو وظائف المشروح؛ حتى يتمكن التلميذ من تحديد شرح الملفوظ بالصورة أو الرمز أي الربط بين الدال والمدلول في حدود نظرية دي سوسير. وفي غياب هذه المؤشرات لا يمكنه تحديد ذلك الشرح، ويكون النص غامضا على المتعلم من ناحية مقاربة المعجم المدرسي. وهذا ما فعله الكتاب حيث غيّب تلك المؤشرات في بعض النصوص وأحضر بعضها في البعض الآخر لكن دون الربط بينها بوضوح؛ مما جعل التلميذ يتخبط في ضبط شرح المفردات عبر ربطها بالصورة المناسبة لها كما وقع في الصفحة 69 من كتاب المتعلم حيث الخنفساء والدعسوقة ليس لها مؤشرات لضبط الفرق بينهما حتى نحدد صورة الخنفساء بدقة ونميزها عن الدعسوقة. أما دودة الأرض والعنكبوت فمشهورتان ومعروفتان لا تتطلبان التحديد والشرح. مما يبين أن الكتاب لا يعرف تحديد المفردات التي تشكل عائقا للمتعلم. فهو يرد المفردات على كيفيته دون ضوابط بيداغوجية وديداكتيكية. وفي الصفحة 73 ليس هناك أية مؤشرات لغوية في النص تحدد سنبلة الشعير من سنبلة القمح خاصة أن متعلم السنة الثانية ليست له الدراية الكفاية بالميدان الفلاحي حتى يميز بينهما ويحدد صورة كل منها!؟ وفي الصفحة 81 لا أجد فيها غير كلمتي " وعل " و" سنجاب " تطرح نفسها للشرح في غياب مؤشرات الشرح والتحديد. وأما فيما يخص ( لبؤة ـ دب ) نجد المتعلم يعرفها فلا داعي إلى شرحها وضبطها. وفي الصفحة 92 لا يستطيع المتعلم تحديد الشرح من خلال تعيين المأكولات من خلال الصورة وهي غير واضحة فالخروف والمعز لم يردا في النص وإنا ورد اللحم وهذه الرمزية لا يمكن أن يفهمها تلميذ هذا المستوى! وفي الصفحة 152 ليست هناك معانم دالة على فأرة الحاسوب حتى يميزها من لم يحتك بالحاسوب. وينظر النص القرائي " يوم لا أنساه " الصفحة 33 من كتاب المتعلم للتأكد مما قلناه عن نصوص الصفحات السابق ذكرها...
بالإضافة إلى هذه الاختلالات البيداغوجية والديداكتيكية في سيميولوجية شرح مفردات النص، يضـــــــيف
الكتاب صعوبة أخرى تعقد المسألة البيداغوجية حين يطرح مشتتات تعليمية خارجة عن المطلوب كما وقع في الصفحة 144 ( مفردات: حمالة، حراقيات ) والصفحة 81 ( مفردات: غزال، فهد، نمر )...
· لم يستطع الكتاب بلورة شرح المفردات من خلال طرح أسئلة واضحة ومحددة تقود إليه مباشرة بل وقع في الخلط في المفاهيم حيث خلط بين الفهم والتفكير وشرح المفردات. ففي الصفحة 93 في فقرة " أشرح " طرح السؤال التالي: ( أستخرج من النص، الأشياء التي تؤكل والأشياء التي تشرب ) وهم سؤال للتفكير وليس للشرح. وكذلك في الصفحة 97 سلك نفس المسلك فسأل: ( أقرأ النص، وأذكر الحيوانات التي تأكل الأعشاب )، وفي الصفحة 101 في الشرح سأل: ( أعين الموصوف في القطعة بما يلي: متواصلا ـ فسيحة ـ طويلة القامة ـ مريح ـ باردا )، وفي الصفحة 105 سأل في الشرح: ( أذكر الحبوب التي تبلعها الطيور بسهولة والتي يصعب بلعها ) والغريب في هذا السؤال أنه موجه لتلميذ السنة الثانية ابتدائي الذي لا يفقه من الطيور الشيء الكثير وهو سؤال عام لا يمكن الجواب عليه من قبل المختص في الطيور فبالأحرى المتعلم. فالطيور كثيرة وما تأكله كثير، ولكل صنف منها طريقة أكله؛ فأنى لمتعلم هذا المستوى بالجواب. وأتحدى المؤلفين بالجواب عن هذا السؤال؟! فأخالهم لا يعرفون أبجديات التأليف المدرسي. وقس على هذه الصفحات صفحات: ( 121 ـ 145 ـ 157... ).
· الكتاب لا يملك بيداغوجيا وضع السؤال بل بالأحرى تقنيات السؤال. ففي الصفحة 164 من كتاب المتعلم يطرح السؤال التالي في الشرح: ( أقرأ الكلمات التي يقارب معناها ما يلي: جالسا ـ ينتظر ـ غار ـ تجمع ـ يلاحقها ) والمطلوب ليس القراءة بل تحديد الكلمات التي يقارب معناها معنى الكلمات المقدمة! ؟ وقد وقع في خلط بين تحلق بمعنى تجمع وبين تحلق بمعنى طار. ففي النص نجد تُحَلّقُ بمعنى تطير في الجو وليس بمعنى تجمع. وهذا الخلط في الشرح سيقود بالمتعلم إلى الخلط في المعاني والخلط بين المفردات ولن يستفيد من الشرح! وكذلك يخلط بين مكونات الصورة والصورة حيث كثير ما يقدم في الشرح صورة واحدة ويطلب من المتعلم ربط المفردات بالصورة المناسبة والواقع المطلوب الربط بين المفردة والمكون الواحد من الصورة التي يناسبها. وهذا وقع مثلا في الصفحات: ( 64ـ 68 ـ 69 ـ 72 ـ 73 ـ 153 ـ 160 ... ).
· بعض الرسومات التي يطرحها في الشرح غير مناسبة للمطلوب سواء شكلا أو مضمونا. فمثلا في الصفحة 156 ليس في الصورة شريط الصور. وعيون زجاجية غير واضحة لأن العدسة جانبية وليست أمامية حتى تتضح أنها من الزجاج، وفي الصفحة 88 لا يمكن تحديد الحلق واللوزتان من قبل المتعلم لعدم دقة الرسم. وكذلك الصفحات: ( 57ـ 53 ـ 48 ـ 136... ).
· بعض الأضداد لا تناسب الكلمات الواردة في النصوص فمثلا كلمة " يتوقف " لا يوجد ما يناسبها كضد سوى كلمة يتجول، وعند التمعن في السيمات المكونة للفعلين لا نجد المشترك بينهما كبيرا مما يدل على عدم ضبط الأضداد وهذا واقع في الصفحة 140 من كتاب المتعلم. فيتوقف ضدها يتحرك..
· الخلط في الشرح بين الحاسة والصوت كما وقع له في الصفحة 169 حين طلب من المتعلم اختيار الكلمات التي تدل على الأصوات من النص. والنص على يحوي على الأصوات وإنما فعلي " اسمع ، أنصت " وهما إشارتان على حاسة السمع التي نسمع بها الأصوات.
ومن هذه الملاحظات يتبين أن هذا الكتاب المدرسي لم يوفق في استعمال المعجم المدرسي ولا القاموس اللغوي في مقاربة شرح المفردات ولا في إغناء المعجم اللسني للمتعلم، ومازال أمامه الشيء الكثير حتى يقدم بناء على ما مر من حيثيات القاموس اللغوي والمعجم اللسني والمدرسي مادة لغوية تستقيم بيداغوجيا وديداكتيكيا مع ما يجب أن تكون عليه من توافق مع المعطيات النظرية للقاموس ولنظريات التعلم وللمعجم المدرسي الذي يطبع بالخصوصية اللغوية الوظيفية، ذلك أن معاني مفرداته تتحدد ضمن النصوص اللغوية التي تحمل مفاهيم وقيما وسلوكات وأحداثا وأزمنة وأمكنة وشخوصا معينة، تربط بينهم التفاعلات والعلاقات الحدثية الخالقة من النص الجامد أحداثا اجتماعية مؤثرة في المتعلم، للدفع به إلى التفاعل معها وجدانيا ونفسيا وتعليميا. ولتمكينه من مجموعة من المفردات والسياقات اللغوية المقامية والمقالية ذات المعاني المعجمية والدلالية.
3) في رحاب اللغة العربية:
أما هذا الكتاب المدرسي فإنه سلك في مقاربة الشرح مسلك الترادف من خلال السياق المرادف بحيث يركب المفردة في سياق مرادف ثم ينتقل إلى شرحها والبحث عن مرادفها. فهو خصص ذلك باصطلاح " أركب وأشرح " وهو من الناحية المنهجية والديداكتيكية والمنطقية والعقلية لا ينسجم مع الواقع التعليمي وما تبث علميا في علم النفس التربوي من أن المتعلم إذا لم يفهم الكلمة فإنه لا يستطيع تركيبها في سياق لغوي مرادف. والمنطق التعليمي يفيد بأن المتعلم يتعرف معنى الكلمة وشرحها ثم ينتقل إلى تركيبها بمعنى أن المتعلم ينتقل من الشرح إلى التركيب لا العكس. وهذا الكتاب يطرح عكس ما يقوم به المتعلم. مما يشكل ديداكتيكيا ومنهجيا ومعرفيا عائقا إبستيميا أمام المتعلم ويعوق دون المعرفة المعجمية للكلمات. ولهذا يرجى مراجعة هذه المنهجية في ضوء نتائج الدراسات التربوية والنفسية. لتستقيم مع مسار التفكير عند المتعلم. وبناء على هذا الخلل نتجت عنه اختلالات كبرى في المعجم المدرسي الذي يطرحه الكتاب للمقاربة بالشرح ومنها:
1 ـ الانتقال من بنية إلى بنية أخرى مخالفة في المعجم: فالكتاب يرمي إلى شرح بعض الكلمات التي يعتقد أنها صعبة غير أنه ينقلها من بنية صرفية إلى بنية صرفية أخرى، ومن بنية صوتية إلى أخرى؛ فيتبدل المعنى بتبدل البنية الصوتية او الصرفية أو التركيبية أو السياق، وهذا يصعب المعجم المدرسي على المتعلم.فمثلا تكون في النص القرائي في بنية معينة، فيحولها في الشرح إلى بنية أخرى. كما فعل ذلك مع مفردة " أعلن " المبنية للمعلوم و " أعلن " المبنية للمجهول في نص " خبر سار " ( ص 30 ). ومفردة " بقعة " المعرفة إلى " بقعة " النكرة في نص " ملعب الحي " ( ص 46 ) وكذا " بالوعة " في ( ص 50).ومفردة " بحذر " الموجود في النص القرائي: " لن أبذر الماء " الصفحة 66؛ حيث في الشرح أتى بكلمة: " يحذر " وهي بنية الفعل لا بنية الاسم كما في النص. كما فعل مع الإسناد في نص " هيا للعمل " ( ص 111) حيث لم يميز بين الإسناد للمفرد " لا يستهين " وبين الإسناد للجمع " لا نستهين ". وهذا يؤثر في المعنى السياقي للكلمة بتركيبها الوارد في النص. فالتغيير الصوتي والصرفي والتراكيبي له أثره في المعنى كما مر معنا.
2 ـ يورد الكتاب مفردات لا وجود لها في النص، فيحتار المتعلم في مكان وجودها. حيث وجودها خارج المعجم المدرسي، ولربما يكون مكانها المعجم اللسني للمتعلم أو للأستاذ؛ وهذا يربك المتعلم في الوقوف على معنى النص القرائي بل حتى الأستاذ، ويدخل متغيرا محشوا في المتن التعليمي لا مبرر له بيداغوجيا، كما يدخل مشوشا أو مشتتا على حد قول الديداكتيكيين على الديداكتيكا المقررة للنص القرائي. وهذا يظهر الارتباك الذي وقع فيه المؤلف. وقد وقع هذا في أماكن من الكتاب على سبيل المثال نص: " مدرستي " ( ص 24/25 ) مفردة: ( الحنفية ) لا وجود لها في النص القرائي. وكذلك مفردة " يدّعي " لا وجود لها في نص " في سوق القرية " (صص: 44/45 )، حيث الموجود في النص معناها على حد قول النص القرائي: ( إنها صالحة لعلاج جميع الأمراض ). وكذا مفردة " نساهم" التي لا وجود لها في النص وإنما الموجود كلمة " شارك " في نص " لنتضامن " ( ص 100 ) وهي صيغة المفرد لا الجمع.
3 ـ عدم إدراك المؤلف فرق المعنى بين المفردات، بمعنى لا يعرف مساحة التقاطع السيمي أو المعنمي بين المفردات، ولا يعرف افتراقها في المعنى بناء على بنيتها الصرفية أو الصوتية أو التراكيبية؛ كما وقع له في الخلط بين " فَقَدَ " بمعنى ضاع منه وبين " تَفَقَّدَ " بمعنى بحث عنه. فقد جاء في نص " الممحاة المنسية " ( ص 28 ) قوله: " لقد فقدت مكانتي " و " لن تفقدي مكانتك أبدا " بينما في الشرح جاء قوله في الجملة المرادفة التي يستقي منها شرح المفردة: " تفقد الأستاذ التلاميذ المتغيبين بحث عنهم " وهو معنى غير مراد من النص. وهو الشيء نفسه الذي سلكه مع " منح " بمعنى أعطى و" منح " بمعنى كافأ. ففي نص " عباد الشمس " ( ص 62 ) جاء: " فالشمس هي التي تمنحني الدفء والقوة " بمعنى تعطيني وتمدني. في حين شرح المؤلف " تمنح " بالتالي: " تمنح: تمنح المؤسسة المجتهد جائزة تجزيه، تكافئه " والفرق وفق سياق النص بائن وواضح وشاسع ولا مجال للخلط فيه. فمنح بمعنى أعطى دون مقابل غير منح بمعنى كافأ عن مقابل. ولسنا في مقام تذكير المؤلف بأمهات الكتب التي تدرس المعنى في إطار النظم، وأن المترادفات بينها دقائق في المعنى يجب الوقوف عليها. وهذا الخلط لا محالة سينعكس سلبا على المتعلم في معجمه اللسني. فلا يعرف الفرق بين شرح المفردات ومعاني الجمل وفق نظمها وسياقها.
4 ـ الشرح بالكلام العام، مما يفضي إلى تساوي المفردات بل تساوي الأشياء والتداخل بين حدودها. فهو شرح مفردة " الدفوف " ( ص 123 ) بكلام عام يفيد الدف: " آلة من آلات الطرب "؛ وهو كلام عام يساوي بين الدف و" القيتارة " و "البيانو" و" الهجهوج" والعود... فكل واحدة منها آلة من آلات الطرب "؛ فقد أخذ بما جاء به القاموس اللغوي وساوى بين متن المعجم المدرسي الذي هو متن تعليمي يراعى فيه السياق وبين متن القاموس اللغوي الذي هو متن معجمي خارج السياق. وهذا سيؤدي بالمتعلم إلى الخلط بين الأشياء والتخبط في تحديدها. فهب بناء على هذا الشرح أعطينا متعلما في المستوى الثاني صور آلات موسيقية وطلبنا منه تحديد صورة الدف؛ فهل سيميزها بناء على هذا الشرح؟ استبعد ذلك اللهم إذا كان يعرفها بنفسه وتعرف عليها سابقا.
إن الكلام العام في المقاربة اللسانية يفضي إلى فكر عام لا يميز بين دقائق الأمور، ويطلق الحكام العامة دون تمحيص. وهذه آفة تعليمنا الراهن...
4 ـ يفوت المؤلف تحديد الكلمة الصعبة بدقة؛ فكثيرا ما يحمل النص القرائي كلمات أصعب مما قدمه، فمثلا في نص " بالوعة منزلنا " ( ص 50 ) هناك المفردات الصعبة التالية: " تهاطلت، انسابت، الميازيب، تجند، الأوحال " حيث يمكن للمؤلف اختيار إحداها للشرح. فهي صعبة على متعلم المستوى الثاني ابتدائي خاصة في الوسط القروي. وكذلك كلمة " اقترح " في نص " هيا نمثل " ( ص 18 ). وهكذا مع جل النصوص القرائية...
وهناك مثالب في هذا الكتاب والكتب الأخرى لا يدخل ذكرها في نطاق المعجم المدرسي، لا ضرورة لإيرادها. بل نؤكد على أن اللجنة التي رخصت هذا الكتاب والكتاب السابق لم تتفحص المتن اللغوي الوارد فيهما والديداكتيكا بدقة، وكانت قراءتها متسرعة، وحكمها متسرع. يعلم الله سبحانه مسوغاته وأسبابه وخلفياته وظروف اتخاذه. ويبقى لنا الرجاء من الوزارة مراجعة هذا الكتاب وصنوه وباقي الكتب بناء على ملاحظات الأساتذة والمفتشين التربويين والنقاد ذوي الاختصاص. ونحن انطلاقا من اهتمامنا بالبحث التربوي ندعو الجهات المختصة بالترخيص للكتب المدرسية التدقيق فيها، فما صدر لحد الساعة من كتب اللغة العربية في التعليم الابتدائي ينم عن ضعف في التقويم وتفحص المشروعات والتدقيق في المضامين. فهذه المضامين لنا معها وقفة خاصة في بحوث قادمة. فهي تضرب التعلم من أساسه.
4) الممتاز في التربية الإسلامية:
يطرح المفهوم في التربية الإسلامية صعوبة موضوعية وأخرى ديداكتيكية.حيث تتمثل الموضوعية في مدى استيعاب المتعلم موضوع المفهوم، فمثلا التجريد كمفهوم ينصب على الذات العلية. كيف يستطيع متعلم السنة الأولى ابتدائي أو الثانية أن يستوعب أن الذات العلية موجودة ضمن تجريد معين يوجب وجودها ولا يحدها زمانا ومكانا وموضوعا؟ فهذا التجريد المطلق في حقه سبحانه وتعالى، الذي ننقل إليه المتعلم مباشرة من المحسوس؛ يصعب استيعابه؛ مما يتحول معه المفهوم إلى عائق إبستيمي. يتجلى في كون المتعلم مازال في هذه المرحلة العمرية يشتغل على المحسوس والملموس أكثر من المجرد، والمجرد عنده لا يبرح العتبة الأولى من درجته. إذ يقارب المجرد بالمحسوس أو شبه المحسوس. فلمقاربة التجريد المطلق في حقه جل وعلا يمكن مقاربته بصانع السيارة الموجود فعلا ولكن صاحب السيارة لا يعرف عن الصانع سوى وجوده ضمن تجريد معين قد يكون معملا أو إنسانا...وكذلك مفهوم الواحد المجرد رياضيا لا يخرج عند متعلم هذا المستوى عن التصاقه بمفتاح المحسوس الذي قد يكون نقدا أو تفاحة أو قلما أو مسطرة...وبالتالي حتى يتمكن المتعلم من المفهوم المجرد يلزم أن يتطور المتعلم بيولوجيا وفسيولوجيا وعقليا ومهاريا ومعرفيا. وهو تطور يتطلب شروطا ومطالب نمو معينة وحيثيات اجتماعية وثقافية مساعدة.
ولا ضير أن يكون المفهوم في حد أدنى من التحديد ولو شابه نقصان. لأنه يتطور عند المتعلم كلما تطور في تعلمه. وتتلاشى منه الشوائب، ويزيد صفاء ووضوحا. فكل منا وهو صغير ربط الله سبحانه وتعالى بتمثلات معينة. حقيقة هي عند العلماء مدخل التجسيم والتجسيد وهي حرام؛ ولكن هي في حق المتعلم غير كذلك؛ لأنه يتعلم، وغير مكتمل النضج، ومرفوع عنه القلم. والخطأ في العلم ضرورة موضوعية ومنهجية في تعلم الصواب. فهو كالعائق الإبستيمي والديداكتيكي والموضوعي في الموقع التعليمي.
وموضوع المفهوم قد يكون غامضا وملتبسا على المتعلم مما يعوقه في مقاربته. فيقف عائقا إبستيميا يستدعي تدخل مكتسبات المتعلم والبحث في إجلاء غموضه ورفع التباسه. فمثلا علم الله تعالى المطلق يلتبس على متعلم السنة الأولى ابتدائي أو الثانية مما يقف عائقا إبستيميا أمام استيعاب موضوع هذا المفهوم المجرد. فكيف يعلم الله تعالى كل شئ بالمطلق دون كيف وكم؟ وهذا يتناقض مع ما يعيشه من كون العلم له حدود كيفية وكمية! ونخاطبه بهذا التجريد المطلق!. هنا موضوع مفهوم العلم الرباني لا يكتمل تمثله عند المتعلم إلا إذا استدمجه في حسيات وملموسات مقارنة على الأقل بينه وبين العلم الإنساني. وفي حدود تصورية مرحلية تستوعب المفهوم على قدر طاقة المتعلم المعرفية والأدائية.
وأما ما يطرحه المفهوم من صعوبة ديداكتيكية، فتتجلى في منهجية المتعلم في مقاربته. ذلك أن المنهج المتبع في اكتساب مفهوم معين غير المنهج الذي يكتسب به مفهوم آخر.حيث المنهج الواحد تختلف حيثياته التفصيلية من مفهوم لآخر. فمثلا تجريد الذات العلية الكريمة من الشبه والند يتطلب من الخطوات الديداكتيكية ما ينقل المتعلم من الحس إلى شبه المحسوس، ومنه إلى المجرد في مرحلة تعليمية معينة أو مراحل تعليمية محددة. فالتغير طابع كوني في الكون، لولاه لما تعلم الإنسان. لذا يوظفه المتعلم في الانتقال من المحسوس إلى المجرد. وهو هنا قد يستخدم الاستنباط أو الاستقراء كأداة للوصول إلى المفهوم. كما أن المنهج الديداكتيكي الذي نقدم به المفهوم ليس بالضرورة هو نفس منهج المتعلم في مقاربته للمفهوم موضوع الدرس. لأنه قد ينطلق من تمثلاته حول الأشياء فيدخل ما لا يدخله المدرس أو يخرج ما لا يخرجه الأستاذ.
فالصعوبة الديداكتيكية تعتبر عائقا يؤدي إلى التعلم،حيث يتعلم من خلاله التلميذ كيفية مقاربته للمفهوم وتسهيل معرفته. وتنظيم خطواته المنهجية.ومنه نلمس أن المفهوم يتحول إلى عائق إبستيمي يتعلق بالمنهجية. مما يتطلب تدخلا من المدرس والمتعلم كل في نطاق مهمته من العقد الديداكتيكي لمقاربته وتجاوزه. ومن هناك يحصل التعليم والتعلم.
وبما أن العائق الإبستيمي والديداكتيكي والموضوعي حاضر في التربية الإسلامية في بعض المفاهيم كالتي مرت بنا سابقا نقف عندها كإشكالات إبستيمية وديداكتيكية وموضوعية. ونلامس كيفية مقاربتها في كتاب:< الممتاز في التربية الإسلامية للسنة الثانية ابتدائي> .
4 ـ كيفية مقاربة بعض المفاهيم الإسلامية كعوائق إبستيمية وديداكتيكية وموضوعية في البرنامج المدرسي:
1.4. التجريد: ويتمظهر في عدة صور، نذكر منها أمثلة فقط واردة في البرنامج:
ـ في سورة الأعلى، الأسبوع 10، الآيات من:1 إلى:8 نجد التجريد يمس علم الله لما جهر به و لما خفي (إنه يعلم الجهر وما يخفى)فعلم الجهر واضح ولكن ما خفي لا يستقيم مع المتعلم!.
ـ في سورة الأعلى، الأسبوع 11، الآيات من 9إلى 13 نجد التجريد يمس النار الكبرى من ناحية الضخامة وشدة اللهب(الذي يصلى النار الكبرى) وهي نار جهنم.فكيف تستقيم مع فهم المتعلم أو تصوره؟
ـ في سورة الأعلى، الأسبوع 12،الآيات من:14 إلى 19 نجد التجريد يمس الآخرة بما هي خير وأبقى للإنسان (والآخرة خير وأبقى) فلا تستقيم مع المتعلم من حيث تصورها وتحييزها زمنيا ومكانيا وموضوعيا!
فالتجريد في هذه الصور أو الموضوعات يصعب على المتعلم استيعابه انطلاقا من موقعه البيولوجي والفيسيولوجي والعقلي.لذا يجب الانطلاق معه فيها من الملموس المحسوس إلى المجرد. إذ نقرب للمتعلم علم الله سبحانه الخفي من القول والفعل.كمخرج شريط سينميائي يعلم بمجريات تفاصيله قبل عرضه على المتفرج الذي لا يعلم ذلك.فكذلك علم الله من حيث هو المخرج للإنسان وخالقه.فهو يعرف تفاصيل قول وفعل مخلوقه.أو ما يشبه هذا التشبيه الملموس والمحسوس.وبخصوص النار الكبرى فيمكن تقريبها عن طريق النار الدنيوية والتمييز بين أنواع المحروقات وشدة لهبها.وأما مكانها فهو عند الله لا يمكن مقاربته إلا من خلال حيز كحيز النار الدنيوية كالفرن أو المجمر.وأما عن الآخرة فيمكن مقاربتها بربيبتها الدنيا وتوصيفها من حيث الوجود.وأن الشئ غير الموجود لا يعدم وجوده حتما.فالآخرة هي دار ينتقل إليها الإنسان بفعل الموت كما ينتقل في دنياه من مسكن إلى آخر.فالمسكن الثاني لا ينفي وجوده وجود المسكن الأول.وهكذا يمكن الخروج من هذا العائق الإبستيمي والموضوعي والديداكتيكي بما ينقل المتعلم من المحسوس الملموس إلى المجرد المفارق للمادة والزمن والمكان.
فكيف تعاطى الكتاب المدرسي مع هذا التجريد الوارد في هذه السورة القرآنية الكريمة؟ بالرجوع إلى دليل الأستاذ ص.ص.:99 ـ 104 نجد المؤلف في الحصة الثانية للأسبوع10.التي تهم الشرح والفهم لا يقارب علم الله سبحانه للجهر وما خفي بالشرح،وحتى في كتاب المتعلم ص.:13.مما يضع عائقا أمام المتعلم يتطلب منه البحث عن حله خارج الحصة.إلا أنه وجه المدرس إلى تقريب معنى علم الله باعتماد المحسوس والتشخيص.وهذا المبدأ جد مهم يترك للمدرس الباب مفتوحا على جميع الاختيارات.بما فيها الاستعانة بالمعينات البيداغوجية بما فيها المجسمات.وهذا يحسب للمؤلف لا عليه.(كتاب الأستاذ،ص.:100). كما أشار إلى استخدام السياق والأمثلة ومكتسبات المتعلم في مقاربة معاني النار الكبرى(ص.:102)، وهو هنا يزاوج بين الملموس وشبه الملموس،فالسياق إما مجرد أو شبه محسوس،والأمثلة قد تكون ملموسة ومحسوسة كلها كما هو الشأن بالنسبة لمكتسبات المتعلم.إلا أن حرية الأستاذ في اختيار تقريب المعنى قد يؤدي إن حصل على غير وجهه إلى نتيجة عكسية،مما وجب على المؤلف أن يورد له مثالا عن ذلك للاقتداء به.ومهما يكن فإن المؤلف أحسن الإرشاد والتوجيه.وأما عن الآخرة فقد سلك نفس الإرشاد والتوجيه الموجه للأستاذ دون مقاربة المعنى في كتاب المتعلم(ص.:14).
وهنا نلاحظ أن المؤلف لم ينتبه إلى المفاهيم التي تعوق التعلم لذا نجده يتجاوزها في أغلب الأحيان،وإن كان إرشاده لمقاربتها جد مهم للانطلاق فيها من الملموس والمحسوس إلى المجرد.
2.4. التجسيم و التجسيد: ويتمظهر في صور عدة، نذكر منها في البرنامج على سبيل المثال:
ـ في سورة الغاشية، الأسبوع 13 ،من الآية 1إلى الآية 7:نجد التشيئ يطول الغاشية وهي يوم القيامة ( هل أتاك حديث الغاشية)،ذلك أن المتعلم كيف سيتصور الغاشية وهي تغشى الناس بأهوالها ؟من هنا يرد التشيئ في أكثر صورة تعقيدا.مما يقف عائقا إبستيميا وديداكتيكيا وموضوعيا أمام المتعلم ويستدعي منه التدخل بالبحث والتقصي والتمثيل للغاشية.وهنا نقر بأن المؤلف ذهب إلى التشخيص والحوار والتبسيط (ص.:109 من دليل الأستاذ)، وهو الشئ الذي يحسب له كمقاربة تتماشى مع المرحلة العمرية للمتعلم، بجانب تماشيها مع معطيات الديداكتيكا؛ غير أن التفصيل في حيثيات هذا التشخيص والحوار والتبسيط يبقى نجاحه في تلمس وتشبيه الغاشية رهين إمكانيات الأستاذ. وحبذا لو أن المؤلف مكن الأستاذ من بعض الحيثيات التفصيلية في هذا المقام لإرشاد الأستاذ الذي قد لا يسعفه الحظ في النجاح في ذلك.
كما أن تصور الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة (وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة) يفيد تصور الهيئة مما يتطلب تقريبه بوجه الإنسان المتعب أو المريض الشاحب الذي يوحي بملامح الشقاء والتعب وربما الذل والاحتقار إن كان في وضع نفسي منهار. وقد وجدت الكتاب المدرسي سلك هذا المسلك في تقريب معاني العبارات القرآنية(ص.:15 من كراسة المتعلم).
ـ في سورة الغاشية، الأسبوع 14،من الآية8 إلى الآية16:نجد التجريد طال جنة عالية (في جنة عالية) فأخرجها عن نطاق محسوسات المتعلم. مما يقف عائقا إبستيميا أمام المتعلم من حيث تصور مكان وجودها، وتجسيمها وتشييئها؛ بمعنى تأثيث فضائها بما جاء من توصيف لها من خلال الآيات التي تصفها (لا تسمع فيها لاغية، فيها عين جارية،فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة). فكيف يتصور كل ذلك المتعلم، ويتعاطى معه من منطلق محسوساته؟.وهنا نجد المؤلف يتماشى كذلك مع منطلق تفكير متعلم هذه المرحلة حين قارب الجنة العالية وتوصيفها باعتماد الوسائل المحسوسة، أو ضرب الأمثال أو السياق القرآني، أو مكتسبات التلاميذ السابقة والحوار والتبسيط (ص.:111 من دليل الأستاذ). وهذا شئ محبب ديداكتيكيا ، ويتساوق ومطالب علم النفس التربوي! إلا أن غياب بعض الأمثلة الديداكتيكية في دليل الأستاذ يطرح إشكالات إبستيمية ومنهجية أمام الأستاذ؛ خاصة حديث العهد بالتدريس. وتجدر الإشارة إلى أن المثال الديداكتيكي غير الشرح الوارد للعبارات القرآنية لاختلاف طبيعتهما.فالأول منهجي بالدرجة الأولى، والثاني توضيحي من نفس طبيعة العبارات المشروحة.
ـ في سورة الغاشية، الأسبوع 15، من الآية 17 إلى الآية 26:تطرح إشكالا إبستيميا عميقا لدى المتعلم وربما لدى الأستاذ.فهي آيات قرآنية كريمة تنقل معنى النظر من المحسوس،وهو المشاهدة بالعين المجردة إلى المعنى التجريدي للنظر،وهو التفكر العقلي والبحث العلمي في الإبل، والسماء، والجبال،والأرض.(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت،وإلى الأرض كيف سطحت).فالنظر هنا مزدوج يبدأ بالنظر الحسي وينتهي بالنظر التجريدي. وهو نظر يتطلب من المتعلم امتلاك قدرات وكفايات وإمكانات فكرية جد متقدمة تساعده على النظر ذاك؛ إلا أننا قد نبقيه في دائرة النظر المحسوس لتوصيف تلك المنظورات.وفيها إشكال إبستيمي خطير. إذ أن معطياته العلمية تقول بأن الأرض كروية الشكل بل بيضويته. فكيف يتصورها كذلك وهو يشاهدها مسطحة تحت قدميه؟ هنا يجب التدخل بما يفيد إجراء تجربة أو جلب شريط بها.حيث يشاهد المتعلم في السرك البهلوان وهو يتحرك فوق كرة متحركة ولا يسقط منها.فكذلك الإنسان يقف على الأرض وهي تتحرك بسرعتها المعروفة فتبقى دائما بالنسبة لقدميه مسطحة وإن كانت كروية الشكل.
وهنا نجد المؤلف يذهب إلى ما يذهب إليه دائما من توظيف خبرة المتعلم ومكتسباته السابقة والسياق القرآني الكريم. إلا أنه أضاف صويرة الإبل ومجسم الكرة الأرضية (ص.:113 من دليل الأستاذ ). إلى ما يقرب الشرح. غير أن غياب المثال الديداكتيكي كما أشرت إليه سيعرقل توظيف الكرة الأرضية. فلا يدري الأستاذ ما يفعل بها. والواقع يجب توظيفها على الشكل الذي أشرت إليه. وإلا فإنها مقحمة هنا إقحاما. لذا يجب إيراد كيفية التوظيف الديداكتيكي للمعينات البيداغوجية المقترحة في الدروس.
ورغم هدا أعتقد بأن المؤلف تجاوز بعض المعيقات الإبستيمية والديداكتيكية والموضوعية التي تطرح عقبات أمام الأستاذ والمتعلم على حد سواء. وتبقى مراجعة الكتاب واجبة للخروج من سلبياته. إذ لا يستساغ في حق أي مؤلف تعليمي/مدرسي أن يبقى بدون مراجعة وتصحيح للأخطاء. وبالمناسبة أنبه إلى أنه يجب تصحيح بعض الصور في الكتاب.فمثلا القبض في الصلاة يكون بوضع اليد اليمنى على اليسرى وليس العكس كـــما هو في كراسة المتعلم (ص.:62). وهو عيب لا يقبل من مرجع مدرسي من بين فريقه فنان تشكيلي. ولكن الخطأ وارد علينا جميعا والمهم أن تصحح الأخطاء ولا تبقى في المؤلف.
وأما العذاب الأكبر فتسري عليه المعالجة الديداكتيكية محط دليل الأستاذ؛ وهو أمر محبذ.
3.4. التموضع والزمن والمكان والأشخاص والأحداث: وتتمظهر في صور عدة أورد منها:
ـ في سورة الفجر، الأسبوع 18،من الآية 1 إلى 8:نجد تلك المفاهيم واقعة على الليالي العشر من ناحية التموضع. بمعنى تحديد هده الليالي.وعلى عاد من ناحية الزمن والمكان والأحداث والأشخاص. فكيف يتصور كل ذلك المتعلم؟فقد سلك المؤلف في تقريب ذلك مسلك الاعتماد على مكتسبات المتعلم السابقة والحوار والتبسيط (ص.:119 من دليل الأستاذ). وهنا قد لا يتناسب هدا الطرح الديداكتيكي مع الموضوع المدرس الذي يتطلب شيئا من المحسوس ويستدعي توظيف المعطيات التاريخية بما فيها المستحثات والآثار العمرانية والتاريخية كالأهرامات، والمدن اليمنية والأردنية القديمة، أو بعض الأشرطة الوثائقية المؤرخة للعصور القديمة لتقريب الزمن والمكان والأشخاص والأحداث. وإلا سنكون أمام قطيعة ديداكتيكية وإبستيمية في تقريب هذه المفاهيم اللابسة لعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد !واللابسة كذلك لثمود وفرعون (انظر السورة الكريمة).
وقد تجاوز المؤلف موضعة الليالي العشر في كراسة المتعلم ولم يتجاوزها في دليل الأستاذ، والجدير بها المتعلم حتى يذهب للبحث عنها في مراجع التفسير أو يسأل عنها.ويحدد هذه الليالي وإن اختلف في موضعتها.
ـ التجسيم والتوقيت: ويتمظهر في مجيء رب العالمين سبحانه وتعالى للفصل بين مخلوقاته،والملائكة صفا صفا (وجاء ربك والملك صفا صفا). من الأسبوع 20، الآية 22.فكيف للمتعلم أن يستوعب هذا في ظل تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان والتحسيم؟ وهو ما أغفل في كراسة المتعلم ودليل الأستاذ، وهو أمر أعتقده مقصودا للخروج من الورطة وتوكيلها للأستاذ لحلها بمعرفته إن انتبه إليها وإلا بقيت معلقة مقلقة للمتعلم. فكيف إذن الخروج منها؟
إذا كنا نقرب مادة التربية الإسلامية لمتعلم هذه المرحلة بالمحسوس فلا ضير أن نقول له: بأن الإنسان لما يموت، فهو يشاهد أشياء لم تؤهل عيوننا الدنيوية لرؤيتها ومنها هذا المجيء الرباني، وأن الله هو الذي يعرف الكيفية التي يجيء بها في الآخرة. كما يمكن مقاربة هذا بالتمثيل له بالأحلام التي يرى فيها الإنسان أشياء ليس لها وجود حسي؛ حيث لا يمكن رؤيتها وهو مستيقظ. فكذلك حسه الدنيوي لا يمكنه استيعاب مجيء الرحمان تعالى والملائكة صفا صفا. زيادة على أن الله تعالى هو الذي يعلم الكيفية والزمان والمكان وهي منوطة به ومتعلقة بجلاله دون غيره لأنه المالك الملك الواحد القهار، والتي هي في الآخرة غير الكيفيات والأمكنة والأزمنة الدنيوية. وأن هذه المعطيات واقعة لا محالة في الآخرة لا يمكن إلا التصديق بها كما نصدق بالتيار الكهربائي؛ ونحن لا نعرف كنهه وجوهره وهيأته على وجه الدقة واليقين. أو كما نعرف الروح دون معرفة جوهرها وهيأتها. فكذلك بعض الغيبيات التي تدخل في الاعتقاد والإيمان.وعندما سيكبرون سيستوعبون معانيها بشيء من الوعي الإيماني والمعرفة.
وأعتقد أن مثل هذه الورطات الموضوعية والديداكتيكية يجب على دليل الأستاذ أن يقارب كيفية تعاطيها للأستاذ ولو بالإشارة لتحسيسه بأنها قد تكون محطة سؤال المتعلم.فنحن كثيرا ما يسألنا أبناؤنا عن أمور الغيب،فإن لم نكن حريصين على تقريبها لهم بأسلوب متين وسليم فإنها تؤدي بهم إلى الاهتزاز العقائدي. وتشوش على إيمانهم. ونحن لا نريد أن يقع ذلك لأبنائنا. لهذا فمبرمج التربية الإسلامية وأستاذها يتحملان مسؤولية كبيرة أمام الله تعالى عن تأسيس وتوطين الإيمان في أفئدة المتعلمين. كما أن مبرمج الفلسفة وأستاذها في الثانوي منوط به تصحيح ودعم وإغناء الإيمان لدى المتعلم أمام هجمات النظريات الفلسفية الغربية خاصة الإلحادية منها. ويمكن المتعلم من أدوات النقد. فالمهمة خطيرة وخطيرة جدا.
ونحن رجال التعليم مسؤولون ـ كل من موقعه ـ عن تربية النشئ وتخليقهم وتصحيح معتقداتهم بأساليب مناسبة لأعمارهم ومطالب نموهم وقدراتهم العقلية والمهارية. واتخاذ كل السبل والطرق الممكنة للقيام بذلك أحسن قيام. فتلك مسؤولية لا نعفى من أدائها على الوجه الأكمل أمام الله أولا ثم الأمة ثانيا.
4.4. اللغة الحاملة:
ليس المقام هنا للتذكير بأن لغة القرآن لغة راقية ومقدسة وهي المعيار اللغوي للسان العربي. وإنما المقام للتذكير بأن لغة القرآن لم تعد متداولة كما كانت في اللسان العربي نتيجة التحول الوظيفي للغة من العربية (الفصحى) إلى الدارجة، ونتيجة التبسيط اللغوي الذي جاء مع التدافع الحضاري بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى. مما يطرح على المتعلم اللغة القرآنية عائقا في مقاربة القرآن الكريم. حيث يستدعي ذلك التدخل الإبستيمي والديداكتيكي للتعاطي مع هذه الإشكالية؛ وتبسيط اللغة من خلال الترادف اللغوي وبيان جمالية اللغة القرآنية وبلاغتها وإعجازها تشويقا للمتعلم وتحبيبا له. ونحن نجد في الممتاز في التربية الإسلامية أسلوبا مرادفا بسيطا يقرب المعاني في سهولة ويسر. يدل على أن المؤلف سلك مسلكا منطقيا في التعاطي مع المادة الدراسية ومناسبتها مع المرحلة العمرية والتعليمية للمتعلم.
ومهما قيل تظل وحدة التربية الإسلامية مدخلا لتخليق الأمة وتربية نشئها على الإيمان والتقوى.ويبقى مؤلف الممتاز في التربية الإسلامية قد سلك أسلوبا علميا في معالجة العوائق الإبستيمية والديداكتيكية والموضوعية مهما وجهنا له من نقد. على أمل أن يستدرك تلك الملاحظات البسيطة التي أشرت إليها ضمنه.
عود على بدء:
وبناء على هذه المقاربة التي سنفعلها اتجاه جميع الكتب المدرسية، وفي مختلف المواد وبعمق؛ نرجو من الوزارة التدقيق في المضامين التي تحمل من القيم السلبية الكثير، وتتضمن الأخطاء العلمية الفاضحة، والركيكة بعضها ـ وإذا لم تقتنع بكلامنا فنحن على استعداد إعطاءها جردا كاملا بالنصوص الهزيلة في الكتب الجديدة وصفحاتها مع تبيان نقط الضعف فيها ـ ونلتمس من الإخوة المؤلفين مراجعة كتبهم على خلفية قراءة منتوجهم بعين الناقد الذي يهدف إلى تحسن عطائه وجودة إنتاجة. مع الدعاء للجميع بالتوفيق في مهامهم وفيما تصدوا إليه من تأليف مدرسي.
عبد العزيز قريش
باحث في علوم التربية
عبد العزيز قريش
زنقة 21 رقم101 الطابق الثاني
السندس ـ حي واد فاس
فاس 30100
ملاحظة:
النقد الموجه إلى هذه الكتب ورد في مداخلات قدمت في أيام دراسية كالتالي:
ـ نقد كتابي في اللغة العربية للسنة الأولى، قدم في ورقة موسومة ب: " أسئلة مفتوحة إلى منهاج السنة الأولى ابتدائي " ضمن فعاليات اليوم الدراسي لجمعية مفتشي التعليم الابتدائي فرع تاونات بتنسيق مع نيابة تاونات وبتعاون مع المكتبة الوراقة الوطنية بالمحمدية، في " قراءات في كتابي في اللغة العربية للسنة الأولى ابتدائي " تحت شعار: " نقد الكتاب المدرسي بناء له". يوم: 27/03/2003 بتاونات.
ـ نقد كتابي في اللغة العربية للسنة الثانية ابتدائي وفي رحابي في اللغة العربية لنفس السنة، قدم في ورقة موسومة ب: " المعجم اللسني وتطور المعرفة المعجمية عند تلميذ التعليم الابتدائي من خلال المعجم المدرسي " ضمن فعاليات الندوة الوطنية التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس يومي: 21 و 22 أبريل 2004. في موضوع: " اكتساب اللغة عند الطفل: الإدراك والمعرفة المعجمية ". وذلك بمقر الكلية بفاس.
ـ نقد الممتاز في التربية الإسلامية للسنة الثانية ابتدائي، قدم في ورقة موسومة ب: " مفاربة الإشكالات الإبستيمية والديداكتية والموضوعية في برنامج التربية الإسلامية بالابتدائي: الممتاز في التربية الإسلامية نموذجا " ضمن فعاليات اللقاء الدراسي الذي نظمته الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بمقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالقنيطرة يوم الأربعاء 31 دجنبر 2003، في موضوع: " كتب التربية الإسلامية الجديدة ـ دراسة تقويمية ".